fbpx
ملف عـــــــدالة

بن عبد الصادق: تحصين القضاء لا يعني إنشاء سلطة مطلقة

المحامي بهيأة البيضاء قال إنه يجب تمكين المغرب من قضاء بعيد عن كل مؤثرات الفساد وانحرافات الاستبداد والظلم

اعتبر المحامي والبرلماني محمد بن عبد الصادق، أن الخطاب الملكي ليوم 9 مارس 2011 أثار ردود فعل غير مسبوقة على جميع مستويات المجتمع المدني، السياسية والنقابية والجمعوية والأكاديمية. واندرجت كل فئات ومؤسسات المجتمع في

التحليل والمناقشة مما يؤكد أن الإصلاح الدستوري الذي أعلن عنه جلالة الملك يعبر عن حاجة ملحة لوضع وإرساء قواعد جديدة
لتوزيع السلط وممارستها، في إطار المفهوم الجديد للسلطة الذي أسس له جلالته في خطاب أكتوبر 1999 بالدار البيضاء، وأكد بمناسبة
افتتاح السنة التشريعية الحالية أنه يظل ساري المفعول مذهبا في الحكم ومفهوم شامل
وملزم لكل سلطات الدولة وأجهزتها تنفيذية كانت أو نيابية أو قضائية.

قال محمد بن عبد الصادق في حوار مع الصباح إن الملك يدعونا إلى توافق تاريخي يشكل ميثاقا جديدا بين العرش والشعب، توافق لا يمكن إبراز معالمه ووضع أسسه وضمان نجاحه إلا بالحوار والتشاور وتبادل الرأي انطلاقا من ثوابت الأمة كالإسلام دينا للدولة، وإمارة المؤمنين، والنظام الملكي والوحدة الوطنية والترابية، والخيار الديمقراطي.
مضيفا إنه من دواعي الاستبشار والتفاؤل ما وعد به الخطاب الملكي من ترسيخ لدولة الحق والمؤسسات وتوسيع مجال الحريات الفردية والجماعية وضمان ممارستها وتعزيز منظومة حقوق الإنسان بكل أبعادها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والتنموية والثقافية والبيئية، ودسترة توصيات هيأة الإنصاف والمصالحة والالتزامات الدولية للمغرب.
واعتبر بن عبد الصادق أن البلاد التي عرفت تراجعا ملحوظا في هذه المجالات الحيوية بعد أحداث 16 ماي 2003، في حاجة ماسة إلى مصالحه مع الذات ومباشرة التصحيحات اللازمة لوضع المغرب بصفة نهائية في مصاف الدول الديمقراطية الحقة، التي تضع كرامة الإنسان فوق كل اعتبار وتكرس كل مؤسسات الدولة وأجهزتها لخدمة المواطنين وتحقيق تطلعاتهم. وأن من دواعي الاستبشار كذلك ما أكد عليه جلالة الملك من ضرورة الارتقاء بالقضاء إلى سلطة مستقلة.
وذهب محمد بن عبد الصادق إلى أن القضاء سيجد أخيرا المكانة اللائقة به داخل المنظومة الدستورية، تتويجا لنضال اتحدت بشأنه جميع الفعاليات الحقوقية التي لها غيرة صادقة على القضاء، ركيزة أساسية لدولة تعنى بسمو القانون، إلا أن تحقيق هذه الغاية، لا يمكن أن يصرفنا عن ورش إصلاح القضاء الذي تعتريه تعثرات جمة عاقت وما تزال تعوق خروجه إلى الوجود.
وقال بن عبد الصادق إنه حتى قبيل خطاب 20 غشت 2009 الذي حدد مجالات إصلاح القضاء، كانت بعض الجهات الحكومية تردد أن إصلاح القضاء يعنى إصلاح المحاكم وتأهيلها، وتختزل بهذه الطريقة كل المشاكل التي يعانيها القطاع، وبعد 20 غشت 2009 علمنا أن مجموعة نصوص تشريعية لإصلاح القضاء في طريقها إلى البرلمان، وما زالت لم تحط به الرحال إلى اليوم.
واعتبر ذلك مبادرات ومواقف توحي بعدم توفر السلطة الحكومية على رؤية واضحة المعالم لما يقتضيه الإصلاح المنشود، رغم أن مجالات العمل متوفرة من خلال المواثيق الدولية ذات الصلة كالإعلان العالمي لحقوق الإنسان، والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، ومبادئ الأمم المتحدة الأساسية بشأن استقلال السلطة القضائية، وتوصيات المراكز والهيآت الحقوقية الإقليمية كإعلان بيروت للعدالة، وإعلان القاهرة لاستقلال القضاء، الصادرين عن المركز العربي لاستغلال القضاء والمحاماة، إضافة إلى المبادرات الملكية التي حددت مجالات الإصلاح وبالخصوص خطابي 12 أكتوبر 2007 و 20 غشت 2009 . والآن ونحن على وشك تحقيق مطلب استقلالية القضاء كسلطة دستورية، فإن تساؤلات عديدة تفرض علينا الدخول في حوار هادئ وبناء لتحديد معالم هذه السلطة.
وأضاف المتحدث نفسه أنه المعلوم أن البناء الدستوري يقوم على مبدإ فصل السلط وتوازنها بوضع ميكانيزمات للحد والمراقبة، فالسلطة التنفيذية يحدها حق المراقبة والمساءلة الممنوح للسلطة التشريعية. والسلطة التشريعية لا يمكن لها أن تتجاوز صلاحياتها الدستورية، دون أن تتعرض للحل الذي ينص عليه الفصل 27 من الدستور.
وبالتالي لابد من وضع آليات دستورية، من جهة لفصل السلطة القضائية على السلطتين التنفيذية والتشريعية، ومن جهة أخرى للحد من هذه السلطة لخلق التوازن المنشود.
وذهب بن عبد الصادق إلى أن تحصين القضاء وإعطائه المكانة الدستورية التي يستحقها لا يعنى إنشاء سلطة مطلقة حتى لا نسقط فيما اعترف عليه في فرنسا بحكومة القضاة.
وأن الهاجس يجب أن يصاحب انشغالات أعضاء اللجنة الخاصة لمراجعة الدستور التي عينها صاحب الجلالة بعد خطابه الأخير.
ولأن نجاح ورش إصلاح القضاء شرط حيوي لبناء مغرب ما بعد 9 مارس 2011. فإن تركه بين يدي السلطة الحكومية التي أثبتت عجزها عن النهوض به وتكريسه على أرض الواقع، لم يعد أمرا مقبولا.
ودعا المتحدث ذاته إلى استحضار الخطاب الملكي ليوم 12 أكتوبر2007، الذي دعا إلى إعداد ميثاق وطني مضبوط للتغيير العميق والشامل للقضاء. وهذا هو الحل، بإعفاء السلطة الحكومية من مسؤولية إصلاح لم تتقدم فيه كثيرا وأغرقته في الروتين الإداري من دون أن تتعامل معه أبدا بما يستحقه من عناية خاصة أو تترك الانطباع بأنه يدخل ضمن أولوياتها، وإناطة هذه المسؤولية بجهاز خاص يتولى وضع ومواكبة تنفيذ ميثاق وطني لإصلاح القضاء بتنسيق مع كل الفعاليات السياسية والحقوقية والمجتمعية المعنية، ميثاق يستحضر هويتنا ومرجعيتنا الإسلامية، ومضامين المواثيق والتوصيات الدولية، لتمكين المغرب من قضاء مستقل، نزيه وفعال، يضمن الحقوق والحريات، بعيدا عن كل مؤثرات الفساد وانحرافات الاستبداد والظلم.

المصطفى صفر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى