fbpx
الصباح الفني

دجيمي: ساعدوني لأقف على قدمي

موسيقي الحسن الثاني يصارع المرض في غرفة فوق “السطوح”

“أمنيتي الوحيدة هي أن أذهب إلى الله ماشيا على قدمي لا زاحفا” بهذه العبارة المغموسة في الحزن التي لم تكن تحمل في طياتها أي نوع من التهكم، لخص الفنان “دجيمي” معاناته مع المرض وهو يتأمل بعينين، ترقرق فيهما الدمع، قدميه اللتين لم تعودا تقدران على حمله بعد أن دب إلى مفاصل ركبتيه “روماتيزم” حاد أقعده الفراش منذ أزيد من سنة. لم يشفع للفنان المغربي/ الجزائري الجيلالي بنسالم الشهير ب”دجيمي” مساره الفني الحافل الذي جاوز ستة عقود، في أن يحصل على حقه في العلاج والتطبيب، لا لشيء سوى لأنه لا يملك حتى ما يقيم به أوده اليومي، فكيف الحال بتحمل مصاريف علاج باهظة في بلاد لا تؤمن مستشفياتها ومصحاتها إلا بمبدأ واحد هو “خلّص ولاّ مُوت”.
قبل أزيد من سنتين، حينما كنا بصدد إعداد حلقات عن مسار هذا الفنان نشرت على صفحات جريدة “الصباح”، اكتشف كل من اطلع على تلك الحلقات كم كان مسار الفنان “دجيمي” غنيا بالأحداث والمواقف التي عايشها ومكنته من الجمع في شخصيته بين الملاكم والمقاوم والموسيقي الذي يجيد العزف على مختلف الآلات الموسيقية بطلاقة مبهرة، كما يغني بأكثر من خمس لغات حية وفوق كل هذا كان أحد رواد فن الراي الجزائري وواحدا من الذين نقلوه من شكله الفولكلوري العتيق إلى الصورة التي نعرفه بها حاليا.
من يصدق أن “دجيمي” الذي قادته مغامراته إلى اللقاء بالراحل الحسن الثاني، هذا الأخير من فرط إعجابه بالفنان الأسمر عينه عضوا بالجوق الملكي وقضى أزيد من عقد من الزمان خلف أسوار القصر الملكي بين منتصف الستينات والسبعينات، ينتهي به المطاف إلى العيش في غرفتين على سطح بناية بشارع الفداء بالبيضاء يصارع الفقر والمرض.  
تفاصيل كثيرة وظروف خاصة جعلت “دجيمي” يغادر الشقة التي كان يقطنها بتواركة بأمر من الحسن الثاني، دون أن يعلم الأخير بذلك، يمكن تلخيصها في ما يعرف ب”دسائس القصور”، ووصل الأمر إلى أن تم توقيف أجره الشهري باعتباره عضوا في الجوق الملكي، منذ أزيد من ثلاثة عقود.
“حاولت معرفة سبب هذا الإجراء غير المبرر، وكنت دائم التردد على تواركة لهذا الغرض دون جدوى” يقول “دجيمي”.
ويضيف في حديثه ل”الصباح” “عندما يئست من محاولاتي المتكررة، وكنت حينها قد انتقلت إلى الدار البيضاء، وبقيت أشتغل في الملاهي الليلية والفنادق موسيقيا حتى أتمكن من مواجهة أعباء الحياة، خاصة أنني رب أسرة، في انتظار أن تسوى وضعيتي”.
ويسترسل بن سالم في حديثه “الاشتغال في الملاهي الليلية يظل السبيل الوحيد أمام الفنان ليواصل العيش، لكن لا شيء فيه مضمون لا تقاعد لا تغطية صحية، فما دمت قادرا على العمل فأنت تعيش، وإذا أقعدك المرض أو كبرت في السن فقد تموت جوعا وكمدا دون أن يلتفت إليك أحد”.
كان “دجيمي” يلقي بهذه العبارات والإحساس بالغبن يعتصره، ويضيف “هذا هو واقع الفن في بلادنا، كثيرون قالوا لي لماذا لم تستفد من الفرص التي أتيحت لك و”تدير علاش ترجع”، وأنا أجيب كيف السبيل إلى ذلك وأنا لم أكن أجيد شيئا غير الفن، ولو كنت قناص فرص أو مستثمرا جيدا لما كنت فنانا من الأصل”.
عندما سألته عن “بطاقة الفنان” افترّ ثغره، الذي غادرته الأسنان، عن ابتسامة مغرقة في السخرية المريرة، وهو يقول “لم يتصل بي أحد ولا أملك، حاليا، لا المصاريف ولا القدمين للتنقل إلى الرباط للسؤال عنها، فضلا عن أنها لم تنفع من حصل عليها بأي شيء، وفنانون كثيرون مثلي يتساقطون تباعا دون أن تغير هذه البطاقة من واقعهم شيئا، ثم إن هناك أسماء حصلت عليها لم تصدر ولو عملا فنيا واحدا ومنهم من لا يجيد حتى ضبط الإيقاع على طاولة”.
“لا أطلب حاليا إلا حقي في أن أحظى بالعلاج كفنان أحببت هذا البلد لأتمكن من الوقوف على قدمي من جديد، أشعر أني ما زلت قادرا على العطاء، لكن ما يحطم معنوياتي هو هذا الإهمال القاتل من طرف الكثيرين، كأنني لم أكن أعرف أحدا، لا زملائي الفنانين ولا المسؤولين الذين كانوا يسعدون بالعروض التي كنت أقدمها أمامهم، لا أحد كلف نفسه السؤال عني، باستثناء قلة منهم أوجه لها الشكر”.
ولمن فاته معرفة الفنان “دجيمي” بحكم أن وسائل الإعلام العمومية في بلادنا ليست مخصصة أصلا لأمثاله من الفنانين الحقيقيين الذين يموتون في صمت وإنما للوجوه “المعلومة”، فهذا الفنان من مواليد مدينة وهران الجزائرية سنة 1932، ويتحدر والداه من الريف المغربي.
بدأ دجيمي حياته ملاكما وعازفا على الغيتار، وانتقل في سن الثامنة عشرة إلى فرنسا حيث تم تجنيده قبل أن يلتحق بالمقاومين الجزائريين ضمن “جبهة التحرير”.
ارتبط “دجيمي” بعلاقات وطيدة مع أبرز رموز الأغنية الجزائرية مثل دحمان الحراشي وأحمد العنقا والشيخة الريميتي وبلاوي الهواري، هذا الأخير الذي كون بمعية “دجيمي” فرقة موسيقية عملت على تطوير فن الراي بإدخال آلات حديثة وعصرية إليه، فضلا عن صداقات جمعته بالممثلة العالمية “بريجيت باردو” والموسيقار فريد الأطرش.
مباشرة بعد استقلال الجزائر سنة 1962 التحق “دجيمي” بالمغرب وقابل الملك الراحل الحسن الثاني، الذي تعرف عليه قبل ذلك نهاية الخمسينات في أحد العروض العسكرية، هذا الأخير منحه سكنا تابعا للمعهد الموسيقي بتواركة وعينه في الجوق الملكي.
أصدر “دجيمي” عشرات الأغاني، منها ما هو مسجل على أشرطة، جمع فيها   أساليب مختلفة تمزج بين الأسلوبين الغربي والمغاربي وكان أحد رواد “الفيزيون”، كما يجيد العزف على الغيتار والعود والناي والهارمونيكا.

عزيز المجدوب   

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى