أحزاب التحالف الحكومي تواصل تمييع الحياة السياسية لم يبق التجمع الوطني للأحرار أمام القصف الذي يتعرض له مكتوف الأيدي، بل انتقل إلى نهج الخطة نفسها، التي انخرط فيها "البام"، إذ عمل على استقطاب "ديناصورات" انتخابية، كما حدث الأسبوع الماضي في جهة فاس مكناس. ويتواصل في الساحة السياسية مسلسل الاستقطابات وتبادل المواقع بين الهيآت الحزبية، في ظاهرة باتت توصف محليا بسرقة المستشارين ووكلاء اللوائح الانتخابية. وتظهر المؤشرات الميدانية والتحركات الأخيرة أن الأصالة والمعاصرة يتربع على رأس المستفيدين من هذه الديناميكية المتسارعة، بعد تمكنه من جذب واستمالة عدد من وكلاء اللوائح البارزين، والمنتمين سابقا للتجمع الوطني للأحرار والاستقلال، ما يمنحه دفعة قوية في الخارطة السياسية الحالية. وفي المقابل، لم يقف التجمع الوطني للأحرار موقف المتفرج أمام هذه التحركات، بل شرع في رد الصاع صاعين من خلال استقطابات مضادة ومكثفة من داخل بيت الأصالة والمعاصرة نفسه، ما تجسد بوضوح في فاس، إثر نجاح الحزب في استقطاب رئيس مقاطعة أكدال، الذي يشكل وزنا انتخابيا وثقلا سياسيا كبيرا في المنطقة. ومن شأن هذا التحول الأخير أن يمنح مرشحي التجمع الوطني للأحرار دفعة قوية في منافستهم، وضمان حظوظ أوفر للفوز بالمقعد البرلماني المنتظر على مستوى الدائرة المحلية في الاستحقاقات التشريعية المقبلة. وفي سياق هذه المواجهات المحمومة، يبدو حزب الاستقلال المتضرر الأكبر وأبرز ضحايا هذه التحركات العشوائية التي طالت كبار منتخبيه يمينا وشمالا، وامتدت عبر ربوع المملكة من أقصى الجنوب إلى أقصى الشمال. فبعد أن نجح الأصالة والمعاصرة في استمالة وجوه استقلالية وازنة في الداخلة وادي الذهب، وعلى رأسهم رئيس الجهة ينجا الخطاط ومن معه، امتدت هذه التحركات والخطط الاستقطابية نحو الشمال لتطول عددا من رؤساء الجماعات الترابية بجهة طنجة تطوان الحسيمة، وكان من أبرز تلك الشخصيات المستقطبة المستشار البرلماني محمد بولعيش. وتكشف هذه التطورات المتلاحقة عن وجود حروب خفية تخوضها الهيآت السياسية خلف الكواليس بهدف حسم رهان المقاعد وتحقيق نتائج متقدمة. إلا أن هذه الظاهرة، ورغم مكاسبها الآنية لبعض الأطراف، تثير، في الوقت ذاته، تساؤلات عميقة وهواجس حقيقية حول مدى إسهام مثل هذه السلوكات في الإساءة المباشرة لسمعة العمل السياسي، وضرب مصداقية المؤسسات التشريعية في البلاد، فضلا عن دورها السلبي في تغذية نفور المواطنين وعزوفهم عن المشاركة السياسية بصفة عامة. إن ظاهرة تنقل البرلمانيين والمنتخبين، الذين باتوا يوصفون في هذا السياق بالمسروقين أو "الكراكة"، تطرح تحديا حقيقيا يمس جوهر العملية الديمقراطية، حيث تحول هؤلاء إلى عنوان بارز لما يمكن تسميته بالفساد الانتخابي. ويجعل هذا الوضع من الحديث عن البرامج الانتخابية والشعارات الحزبية المرفوعة أمرا ثانويا ولا معنى له أمام غياب الاستقرار الحزبي، إذ أن من يفترض بهم ترجمة تلك الوعود والبرامج على أرض الواقع، هم أنفسهم من يتنقلون باستمرار وبسهولة بين الأحزاب السياسية بحثا عن المواقع والمصالح الشخصية. عبد الله الكوزي