تتباين أعراضه ودرجاته من حالة إلى أخرى يعد اضطراب طيف التوحد من أكثر الاضطرابات النمائية تعقيدا، إذ تختلف أعراضه ودرجاته واحتياجات المصابين به من حالة إلى أخرى، وهو ما يدفع الباحثين باستمرار إلى تطوير فهم أعمق لهذا الاضطراب وسبل تشخيصه والتعامل معه. في هذه الورقة نقدم معطيات أكثر حول هذا الاضطراب، وسبل التعامل معه، وأيضا جديد الدراسة العلمية المنجزة حوله. في ما يلي التفاصيل: "الأعمق"... تشخيص جديد قيد الدراسة تصنيف يهدف إلى توفير دعم أكبر للحالات الأكثر تعقيدا يشهد مجال اضطراب طيف التوحد، نقاشا علميا متزايدا حول مقترح تشخيصي جديد يعرف بـ"التوحد الأعمق"، يساعد على تحديد فئة من الأشخاص المصابين بالتوحد الذين يحتاجون إلى مستويات مرتفعة من الرعاية والدعم اليومي، ما يساعد على توجيه الخدمات الصحية والتعليمية والاجتماعية بشكل أكثر دقة. وجاء هذا المقترح بعد ملاحظة عدد من الباحثين والأطباء أن مظلة "طيف التوحد" أصبحت تضم حالات متباينة للغاية، سواء تعلق الأمر بالقدرات أو الاحتياجات، إذ يتمتع بعض الأشخاص باستقلالية كبيرة في حياتهم اليومية، بينما يحتاج آخرون إلى رعاية مستمرة بسبب صعوبات عميقة في التواصل والسلوك والاعتماد على الذات. ويقصد بـ"التوحد الأعمق" الحالات التي تعاني إعاقات ذهنية ملحوظة، أو غياب أو محدودية شديدة في اللغة المنطوقة، إلى جانب الحاجة إلى إشراف دائم لإنجاز الأنشطة اليومية الأساسية، وهو ما يجعل احتياجاتها مختلفة عن كثير من الحالات الأخرى المدرجة ضمن طيف التوحد. ويؤكد مختصون أن الهدف من هذا التوصيف ليس تقسيم المصابين أو وصمهم، بل تسهيل حصولهم على الدعم المناسب، خاصة في مجالات العلاج والتأهيل والتعليم، سيما أن هذه الفئة تواجه تحديات أكبر تتطلب برامج أكثر كثافة واستمرارية. ورغم الاهتمام المتزايد بالمصطلح، فإنه لا يعد حتى الآن تشخيصا طبيا مستقلا ضمن التصنيفات الدولية المعتمدة، مثل الدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات النفسية ولا التصنيف الدولي للأمراض، إذ ما يزال الأمر محل دراسة ونقاش داخل الأوساط العلمية، في انتظار توفر أدلة إضافية حول جدواه وفائدته في تحسين الخدمات المقدمة للمصابين. ويرى مؤيدو المقترح أن اعتماد توصيف أكثر دقة قد يسهم في توجيه الموارد إلى الأسر التي تواجه أعباء كبيرة في رعاية أبنائها، كما قد يساعد صناع القرار على تطوير سياسات أكثر إنصافا تراعي اختلاف الاحتياجات داخل طيف التوحد. في المقابل، يحذر بعض الخبراء من أن أي تصنيف جديد يجب أن يستخدم بحذر، حتى لا يؤدي إلى تكريس صور نمطية أو إغفال حقيقة أن قدرات الأشخاص المصابين بالتوحد، قد تتغير مع مرور الوقت، بفضل التدخل المبكر والعلاج والتأهيل. ويجمع المختصون على أن الأولوية هي توفير تشخيص مبكر وخطط علاجية فردية تستجيب لاحتياجات كل شخص، بغض النظر عن المسمى التشخيصي، مع تعزيز الخدمات الموجهة للحالات الأكثر تعقيدا التي تحتاج إلى دعم مكثف ومستمر. إيمان رضيف لمعلوماتك < اضطراب طيف التوحد هو حالة مرتبطة بنمو الدماغ، تؤثر في طريقة إدراك الشخص للآخرين وتفاعله الاجتماعي معهم. ويؤدي ذلك إلى وجود صعوبات في التواصل والتفاعل الاجتماعي مع الآخرين، إذ يضم أنماطا سلوكية محدودة ومتكررة. < قد يظهر بعض الأطفال علامات اضطراب طيف التوحد منذ مرحلة الرضاعة المبكرة، مثل قلة التواصل البصري، أو عدم الاستجابة عند مناداتهم بأسمائهم، أو عدم إبداء اهتمام بمقدمي الرعاية. بينما قد ينمو أطفال آخرون بشكل طبيعي خلال الأشهر أو السنوات الأولى من حياتهم. < لا يوجد علاج شاف لاضطراب طيف التوحد. لكن التدخل المبكر والحصول على علاج، خاصة خلال سنوات ما قبل المدرسة، يمكن أن يحدث فرقا كبيرا في حياة العديد من الأطفال المصابين بهذا الاضطراب. رقــــــــم 62 طفلا تقول منظمة الصحة إن التقديرات تشير إلى انتشار اضطرابات طيف التوحد بمتوسط قدره 62 طفلا لكل عشرة آلاف طفل في العالم، أي بواقع طفل واحد من بين كل 160 طفلا، وتمثل تلك التقديرات عدد الحالات في المتوسط، وتلفت إلى أن بعض الدراسات الحديثة تفيد بمعدلات انتشار أعلى بكثير من ذلك. وأما مركز أبحاث التوحد بمستشفى الملك فيصل التخصصي فيقول إن التوحد يصيب الذكور أكثر من الإناث بأربع إلى خمس مرات، وتفيد الإحصائية التي أعدتها جامعة الملك سعود بالتعاون مع مدينة الملك عبد العزيز للعلوم والتقنية بأنه في كل مائة شخص يوجد طفل مصاب بالتوحد. ع.ن نــصــيـــحــة أسلوب التحفيز يحتاج الطفل المصاب باضطراب طيف التوحد إلى رعاية تراعي خصوصية عالمه وطريقة تفاعله مع محيطه، لذلك ينصح الآباء بالحرص على التعرف إلى اهتماماته والأنشطة التي يفضلها، مقابل تلك التي تسبب له الانزعاج أو التوتر، ويعد أسلوب التحفيز والمكافأة من أكثر الوسائل فعالية في تشجيع الطفل على اكتساب السلوكيات الإيجابية وتطوير مهاراته، إذ يمكن للاعتماد على الثناء اللفظي أو العناق أو حتى مكافآت بسيطة، مثل الملصقات الملونة، أن يعزز ثقته بنفسه ويدفعه إلى تكرار السلوك المرغوب، ومن الجوانب الأساسية أيضا، الحرص على الالتزام بروتين يومي منظم يتضمن مواعيد ثابتة للأكل والنوم والعلاج والدراسة، مع إشعار الطفل مسبقا بأي تغيير قد يطرأ على هذا البرنامج، حتى لا يشعر بالارتباك أو القلق. ع. ن علامـات تستحـق الانتبـاه المعروفي: الإنصات المبكر لقلق الوالدين يختصر طريق التشخيص أكدت الدكتورة مها المعروفي، طبيبة متخصصة في الطب النفسي للأطفال والمراهقين، أن اضطراب طيف التوحد يمكن اكتشافه من خلال عدد من العلامات المبكرة المرتبطة بالتواصل والتفاعل الاجتماعي، مشيرة إلى أن التشخيص والتدخل المبكرين يساهمان في تحسين نمو الطفل وتعلمه واندماجه. في ما يلي نص الحوار: ما هو اضطراب طيف التوحد، وكيف يمكن أن يميزه الآباء في سنوات الطفل الأولى؟ > اضطراب طيف التوحد هو اضطراب نمائي عصبي يؤثر في طريقة تواصل الطفل وتفاعله مع محيطه. ومن أجل التعرف على علاماته، ينبغي معرفة مراحل النمو الطبيعي، إذ تبدأ المناغاة خلال السنة الأولى من العمر، وتظهر الكلمات الأولى عادة بين 12 شهرا و16، ثم الجمل المكونة من كلمتين بين 18 شهرا و24. كما تظهر الابتسامة الاجتماعية في حدود الشهر الثالث، ويستقر التواصل البصري بين الشهرين الرابع والسادس، بينما تبدأ الاستجابة للاسم بين الشهرين الرابع والسابع. ويظهر الانتباه المشترك والإشارة بالأصبع والتقليد واللعب التخيلي تدريجيا خلال السنتين الأوليين. وعندما تتأخر هذه المهارات أو تغيب، فقد تكون مؤشرا يستدعي التقييم الطبي. كيف يتم تشخيص اضطراب طيف التوحد؟ > تشخيص اضطراب طيف التوحد هو تشخيص سريري يعتمد على تقييم طبي شامل، ومقابلات مع الوالدين، وملاحظة سلوك الطفل، وفقا لمعايير الدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات العقلية في نسخته الخامسة. ويستند التشخيص إلى وجود صعوبات مستمرة في التواصل والتفاعل الاجتماعي، مثل ضعف التفاعل العاطفي، وصعوبة استخدام التواصل غير اللفظي، وصعوبة تكوين العلاقات الاجتماعية، إلى جانب ظهور سلوكات واهتمامات نمطية ومتكررة، مثل التمسك الشديد بالروتين، أو الحركات المتكررة، أو الاهتمامات المحدودة، أو الاستجابة غير المعتادة للمثيرات الحسية. كما يشترط أن تكون هذه الأعراض قد ظهرت في مرحلة النمو المبكر وأن تؤثر بشكل واضح في الأداء اليومي للطفل. ما هي أبرز العلامات التي تستوجب استشارة الطبيب؟ > يوصى بالبحث عن العلامات المبكرة ضمن الفحوص الدورية للأطفال من الولادة إلى ست سنوات. ومن أهم علامات التحذير غياب الثرثرة أو الإيماءات الاجتماعية في عمر 12 شهرا وما بعده، وغياب الكلمات في عمر 18 شهرا، وعدم تكوين جمل من كلمتين في عمر 24 شهرا. كما ينبغي عدم تجاهل قلق الوالدين بشأن تطور التواصل أو اللغة لدى طفلهم، أو حدوث تراجع في اللغة أو في مهارات التواصل والتفاعل الاجتماعي، لأن هذه المؤشرات تستوجب تقييما طبيا متخصصا. ما هي الخطوات التي تلي الاشتباه في الإصابة؟ > عند إثارة الشك، ينبغي عرض الطفل على الطبيب الذي يتابع نموه لإجراء فحص سريري دقيق. وإذا تأكد وجود خطر، يحال على فريق متخصص في اضطرابات النمو العصبي يضم أطباء واختصاصيين في مجالات مختلفة. كما ينصح بإجراء اختبار للسمع لدى اختصاصي الأنف والأذن والحنجرة، وفحص للرؤية، إضافة إلى تقييم النطق واللغة والتطور الحسي الحركي، مع الشروع في التدخلات الضرورية، دون انتظار استكمال جميع الفحوصات، لأن التدخل المبكر يعد عاملا أساسيا في تحسين النتائج. من هم الأطفال الأكثر عرضة للإصابة؟ ولماذا يعد التشخيص المبكر مهما؟ > يوصى بفحص الأطفال الذين تظهر لديهم علامات التحذير، والأطفال المولودين قبل الأوان، أو الذين تعرضوا لعوامل خطر أثناء الحمل، أو الذين يعانون اضطرابات نمو عصبي مرتبطة بعوامل وراثية أو كروموسومية، إضافة إلى أشقاء الأطفال المصابين بالتوحد. ويعد التشخيص المبكر عاملا حاسما، لأن دماغ الطفل في السنوات الأولى يتميز بمرونة كبيرة تجعله أكثر قدرة على الاستفادة من برامج التدخل والتأهيل، مما ينعكس إيجابا على تطور اللغة، وتحسين التواصل، وتعزيز الاندماج الاجتماعي والاستقلالية مستقبلا. ما هي أبرز التوصيات المعتمدة في رعاية الأطفال المصابين باضطراب طيف التوحد؟ > ترتكز التوصيات الحديثة على تعزيز التدخل المبكر، وإشراك الآباء في مواكبة أطفالهم من خلال برامج تدريبية، والتركيز على نقاط قوة الطفل واهتماماته، وتوفير وسائل تواصل بديلة عند الحاجة، مع تشجيع الإدماج الاجتماعي والتعليمي والثقافي، والاستفادة من الأساليب العلمية المعتمدة، مثل تحليل السلوك التطبيقي ونهج دنفر. كما تؤكد أهمية التوعية المجتمعية، لأن الإنصات المبكر لقلق الوالدين وطلب المشورة الطبية عند ظهور أولى العلامات، يمثلان الخطوة الأولى نحو تشخيص مبكر ومواكبة ناجحة، بما يمنح الطفل أفضل فرص النمو والتطور. أجرى الحوار: عصام الناصيري في سطور: - طبيبة متخصصة في الطب النفسي للأطفال والمراهقين - عضو في المرصد الوطني لحقوق الطفل (ONDE) - حاصلة على الدكتوراه في الطب من كلية الطب والصيدلة بالبيضاء - حاصلة على دبلوم مشترك بين الجامعات في اضطرابات النمو العصبي (TND) من جامعة السوربون