لعبة تسقط الأقنعة المصطفى صفر هناك قاعدة قديمة في الرياضة تقول: عندما تعجز قدماك عن اللحاق بالمنافس، لا تحاول إسقاطه بالكلمات. لكن يبدو أن بعض أشباه الصحافيين وبعض اللاعبين السابقين لم يقرؤوا هذه القاعدة قط، أو قرؤوها ثم قرروا أن يفعلوا عكسها تماما. فكلما حقق المنتخب المغربي إنجازا جديدا، تبدأ حفلة النواح الجماعي في بعض الأستوديوهات. الكاميرات تعمل، والميكروفونات مفتوحة، أما المنطق فقد أخذ إجازة مفتوحة منذ سنوات. في الماضي، كان المحلل الرياضي يشرح أسباب الفوز والخسارة، ويرسم الخطط، ويفسر التكتيك. أما اليوم، فقد أصبح بعضهم يمارس مهنة أخرى، البحث عن أي تفسير للنجاح المغربي، شرط ألا يكون اسمه "الاجتهاد". فإذا تألق لاعب مغربي، فهو "محظوظ". وإذا تألق المدرب، فهي "صدفة". وإذا أشادت الصحافة العالمية، فهي "مجاملة". وإذا اعترف خبراء الكرة، فهم "منحازون". أما إذا عجزت كل هذه التفسيرات عن الصمود أمام الواقع، فلا يبقى سوى السلاح الأخير: الشتيمة. وهنا تسقط الأقنعة. أن يصل الأمر بأحدهم إلى وصف شعب بكامله بأوصاف مهينة، بل إلى عقد مقارنة صادمة يدعي فيها أن المغاربة "أوسخ من الصهاينة"، فذلك ليس رأيا رياضيا، ولا تحليلا إعلاميا، ولا حتى انفعالا عابرا. إنه سقوط أخلاقي مدو. فالخلاف الرياضي لا يمنح أحدا رخصة لاحتقار شعب بأكمله، كما أن الميكروفون لا يمنح صاحبه حصانة من المسؤولية الأدبية. العجيب أن صاحب هذا الخطاب لم يكن يناقش تمريرة، ولا ضربة جزاء، ولا قرار حكم، بل كان يحاكم شعبا بكامله، لأن منتخبه عرف طريق الانتصار. عقلية ترى أن الاعتراف بتفوق الآخر هزيمة شخصية، وأن التصفيق للنجاح انتقاص من الذات، وأن الحسد يمكن أن يتحول إلى برنامج تلفزيوني، والكراهية إلى فقرة تحليلية، والإساءة إلى بطولة. ومن المفارقات الساخرة أن بعض من يرفعون شعارات المهنية والوحدة العربية هم أول من يهدمها عندما لا تأتي النتائج على هواهم. يحدثون الناس عن الأخوة، ثم يوزعون شهادات الوطنية والكرامة وفق نتيجة مباراة لكرة القدم. إننا نعيش زمنا لا يهتم فيه منافسونا بما لديهم من أزمات، بل يحدثون الضجيج لتأزيمنا. والتاريخ، كما نعرف جميعا، لا يسمع الضجيج… بل يقرأ النتائج. ملاحظة لها علاقة بما سبق ليس جديدا أن يعجز بعض الناس عن صناعة المجد، فيقرروا مهاجمة صانعيه، فقد عرف الإغريق شخصية "ثيرسيتيس" في الإلياذة، الرجل الذي لم يخلده التاريخ بشجاعة ولا بحكمة، بل بلسانه الطويل وسخريته من الأبطال. كان يظن أن ارتفاع صوته يساوي ارتفاع قامته، وأن الاستهزاء بالناجحين يجعله واحدًا منهم. لكن التاريخ لم يحتفظ إلا باسم واحد: ثيرسيتيس… رمزا لمن يعوض العجز بالضجيج.