الفردانية تزاحم القيم الجماعية كشف الدكتور ياسين أمناي، المتخصص في علم النفس الاجتماعي، أن تراجع بعض القيم داخل المجتمع المغربي يرتبط بالتحولات العميقة التي عرفها خلال العقود الأخيرة، وأكد أن المجتمع المغربي شهد تغيرات متعددة أثرت في عدد من الأنساق الثقافية، وعلى رأسها النسق القيمي، باعتبار أن القيم تشكل إحدى الركائز الأساسية لأي ثقافة مجتمعية. وأوضح أن من أبرز هذه التحولات هيمنة المنطق المادي ومنطق السوق على الحياة اليومية، ما أدى إلى تراجع قيم كانت إلى عهد قريب راسخة في المجتمع المغربي، مثل التعاون والتضامن والتآزر والصدق والوفاء، وهي قيم كانت تستمد قوتها من الهوية المغربية الأصيلة ومن روح الجماعة والانتماء التي تميز مفهوم "تمغربيت" بروافده المتعددة. وأضاف أن التحول الرقمي والانفتاح الواسع على العالم، من خلال شبكات التواصل الاجتماعي والوسائط الرقمية، جعلا الأفراد يستمدون منظومات قيمية جديدة، لا ينسجم جزء منها مع القيم التي يتربى عليها الفرد داخل الأسرة والمجتمع، وأشار إلى أن القيم السائدة اليوم أصبحت تميل أكثر نحو الفردانية والخلاص الفردي والأنانية. وأكد أن القيم أصبحت في كثير من الأحيان مرتبطة بالمصلحة المادية، وأن فكرة "الغاية تبرر الوسيلة" بدأت تحل محل قيم نكران الذات والعطاء، وخلص إلى أن المجتمع يشهد تحولا قيميا واضحا، يتمثل في الانتقال من ثقافة "نحن" والانشغال بقضايا الجماعة والوطن والمجتمع، إلى التركيز على هموم الذات والبحث عن الخلاص الفردي، بغض النظر عن واقع المجتمع واحتياجاته. (متخصص في علم النفس الاجتماعي) عملية اجتماعية معقدة أرجع عمر بوراس، الفاعل الجمعوي، ما يلاحظ من تراجع بعض القيم لدى فئة من المغاربة إلى تداخل مجموعة من العوامل الاجتماعية والاقتصادية والثقافية التي شهدها المجتمع خلال العقود الأخيرة، وأوضح أن الانفتاح المتسارع على العالم، بفعل العولمة وانتشار وسائل الإعلام الحديثة ومنصات التواصل الاجتماعي، ساهما في انتقال أنماط جديدة من السلوك والقيم، خاصة لدى فئة الشباب، وهو ما أفرز أحيانا حالة من التوتر بين القيم المغربية الأصيلة القائمة على التضامن الأسري واحترام الكبير والتواضع، وبين قيم فردية واستهلاكية وافدة. وأضاف أن التحولات الاقتصادية والاجتماعية بدورها لعبت دورا مؤثرا في هذا المسار، حيث دفعت الضغوط المعيشية وارتفاع تكاليف الحياة والبطالة وتزايد الفوارق الاجتماعية بعض الأفراد إلى تغليب المصلحة الشخصية على حساب قيم التعاون والتكافل والتضامن، كما ساهمت وتيرة التمدن والهجرة من القرى إلى المدن في تغيير أنماط العيش والعلاقات الاجتماعية التقليدية التي كانت تشكل فضاء طبيعيا لتناقل القيم وترسيخها. وأشار بوراس، إلى أن بعض مؤسسات التنشئة الاجتماعية التقليدية، وفي مقدمتها الأسرة الممتدة والمسجد والفضاءات الثقافية المحلية كدور الشباب، لم تعد تؤدي الدور نفسه الذي كانت تضطلع به في السابق، في وقت لم تتمكن فيه بعض المؤسسات الحديثة من تعويض هذا الفراغ التربوي والثقافي بالشكل المطلوب. كما شدد على أن الحديث عن تراجع القيم لا ينبغي أن يقود إلى التعميم، لأن شريحة واسعة من المغاربة ما تزال متشبثة بمنظومة قيمية راسخة تقوم على الاحترام والتضامن والتآزر، معتبرا أن التحولات التي يعرفها المجتمع ليست مجرد تراجع للقيم، بل هي عملية اجتماعية معقدة تتداخل فيها عناصر التطور والتغيير، بما تحمله من مكاسب وتحديات في الآن ذاته. (فاعل جمعوي) استقاهما : عبد الجليل شاهي (أكادير) تحولات فرضتها التكنولوجيا أنا رجل تجاوزت السبعينات من عمري، وعشت فترات مختلفة من تاريخ هذا البلد، وأستطيع القول إن المجتمع المغربي عرف تغيرات عميقة خلال العقود الأخيرة. في الماضي لم تكن الحياة سهلة، وكانت الإمكانيات المادية محدودة، لكن الناس كانوا أكثر تمسكا بقيم الاحترام والتضامن والحياء وتحمل المسؤولية. كان الأب حاضرا في البيت، والأم تراقب تفاصيل التربية اليومية، كما كانت المدرسة تؤدي دورها التربوي إلى جانب دورها التعليمي، وكان الجار يشعر بأنه مسؤول عن أبناء الحي كما لو كانوا أبناءه. اليوم أصبحنا نعيش تحولات سريعة فرضتها التكنولوجيا ووسائل التواصل الاجتماعي، لكن المشكلة ليست في هذه الوسائل بحد ذاتها، بل في تراجع دور المؤسسات التي كانت تصنع القيم، إذ نجد اليوم كثيرا من الآباء قد انشغلوا بتأمين متطلبات العيش، وتركوا أبناءهم أمام الشاشات دون مراقبة أو توجيه. كما أن بعض النماذج التي تقدمها السياسة والرياضة والحياة العامة لم تعد تساعد على ترسيخ القيم الإيجابية، إذ أصبح المال والمصلحة الشخصية والشهرة السريعة أهدافا يتطلع إليها البعض بأي وسيلة. ما يؤلمني أكثر هو أن مظاهر الغش والرشوة أصبحت في نظر بعض الناس أمورا عادية، في حين كنا نعتبرها سابقا سلوكات معيبة ومرفوضة مجتمعيا. لا أقول إن الماضي كان مثاليا، لكنني أؤمن بأن المجتمع يحتاج اليوم إلى إعادة الاعتبار للتربية والأخلاق وربط الحقوق بالواجبات. (رجل تعليم متقاعد بطنجة) الحنين إلى الماضي كلما جلست مع أبنائي أو استمعت إلى النقاشات التي تدور بين الشباب هذه الأيام، أجد نفسي أقارن بين القيم التي نشأنا عليها وبين ما أصبح سائدا اليوم داخل المجتمع. لا يتعلق الأمر بالحنين إلى الماضي بقدر ما هو إحساس بأن بعض المبادئ التي كانت تؤطر العلاقات بين الناس، مثل الاحترام والصدق والتضامن وتحمل المسؤولية، بدأت تفقد جزءا من حضورها وتأثيرها. أعتقد أن المسؤولية مشتركة بين الجميع، لكن الأسرة تبقى الحلقة الأولى. فالأب والأم مطالبان بقضاء وقت أكبر مع أبنائهما والاستماع إليهم ومواكبة ما يتابعونه يوميا. كما أن المجتمع يحتاج إلى قدوات حقيقية في السياسة والرياضة والعمل الجمعوي. فعندما يسمع الشباب عن قضايا الغش أو الرشوة أو استغلال الجمعيات لتحقيق مصالح شخصية، فإن ذلك يزرع لديهم الإحباط ويفقدهم الثقة في كثير من القيم التي نحاول تعليمها لهم. ورغم هذه المظاهر السلبية، ما زلت أؤمن بأن المجتمع المغربي يحتفظ برصيد مهم من الأخلاق والتضامن، والدليل ما نراه في المبادرات الإنسانية ومساعدة المحتاجين خلال الأزمات. لكن الحفاظ على هذا الرصيد يتطلب عملا يوميا يبدأ من البيت، ويمر عبر المدرسة والإعلام والجمعيات الجادة، حتى لا نجد أنفسنا بعد سنوات أمام أجيال تعرف معنى النجاح، لكنها لا تعرف معنى المسؤولية أو النزاهة أو احترام الآخر. ومن خلال تجربتي كأم، ألاحظ أن الأبناء لا يتعلمون القيم من الكلام فقط، بل من السلوك اليومي الذي يشاهدونه داخل الأسرة وفي محيطهم العام، لذلك فإن إصلاح الواقع يبدأ من تقديم نماذج إيجابية قادرة على استعادة الثقة في الأخلاق والعمل الجاد. (مسيرة شركة بطنجة) استقاهما: المختار الرمشي (طنجة) مسؤولية مشتركة أكد الدكتور محمد أكياس، الباحث في الفكر الإسلامي والشأن التربوي، أن الحديث عن تراجع القيم عند بعض المغاربة لا ينبغي أن يقدم في صورة حكم عام أو خطاب انفعالي، بل ينبغي أن يدرس باعتباره ظاهرة اجتماعية وتربوية مركبة، تتداخل فيها عوامل الأسرة والمدرسة والإعلام والتحولات الاقتصادية والفضاء الرقمي. فالقيم، في نظره، لا تنهار دفعة واحدة، وإنما تضعف تدريجيا حين تفقد مؤسسات التنشئة قدرتها على التوجيه والإقناع، وحين تتحول الأخلاق من ممارسة يومية إلى شعارات عامة لا تجد سندها في الواقع. وأفاد الدكتور أكياس بأن المقاربة الأكاديمية تقتضي التمييز بين القيم والأخلاق، فالقيم هي المبادئ والمعايير العليا التي يعتنقها المجتمع، مثل الصدق والعدل والحرية والمسؤولية والتضامن، أما الأخلاق فهي الترجمة السلوكية العملية لهذه القيم في حياة الأفراد والجماعات. وبذلك، فإن أزمة القيم تظهر حين يضعف حضور هذه المبادئ في الوعي الجمعي، بينما تظهر أزمة الأخلاق حين تنفصل هذه المبادئ عن السلوك اليومي، فيصبح الإنسان عارفا بالخير، لكنه لا يلتزم به في المعاملة والممارسة. واعتبر الباحث أن من أبرز مظاهر هذا التراجع ضعف الاحترام المتبادل، وتراجع روح التضامن، وتنامي النزعة الفردية، واتساع منطق المصلحة الخاصة على حساب الواجب الجماعي. وأضاف أن هذه المظاهر لا تعبر عن حقيقة المجتمع المغربي في عمقه، بقدر ما تكشف عن اختلالات مستجدة في التربية والتواصل والقدوة. فالأسرة، التي كانت تاريخيا حاضنة للقيم الأولى، أصبحت تواجه ضغطا كبيرا بسبب التحولات الاجتماعية، وانشغال الآباء، وتأثير الشارع والإعلام وشبكات التواصل على الناشئة. وأوضح الدكتور أكياس أن المدرسة تتحمل بدورها قسطا من المسؤولية، لا من حيث التعليم فقط، بل من حيث بناء الشخصية المتوازنة. فالمدرسة التي تكتفي بتلقين المعارف دون غرس قيم المسؤولية والانضباط والحوار والاحترام، تفقد جزءا من رسالتها التربوية. كما أن التربية القيمية ليست مادة معزولة، بل هي روح ينبغي أن تسري في المناهج، وفي علاقة الأستاذ بالمتعلم، وفي الحياة المدرسية كلها. ( دكتور باحث في الفكر الإسلامي والشأن التربوي) متطلبات الحياة وراء التراجع أكد بوشعيب بنقرايو، المهتم بالشأن الاجتماعي والثقافي، أن القيم المغربية التي شكلت لعقود طويلة أساس التماسك الأسري والتضامن المجتمعي تعرف في السنوات الأخيرة تراجعا ملحوظا مقارنة بما كانت عليه في الماضي، بفعل التحولات الاقتصادية والتكنولوجية وتسارع وتيرة الحياة اليومية. وأوضح المتحدث أن مجتمعات المنطقة المغاربية كانت تقوم على مبادئ راسخة من قبيل احترام الكبير، وصلة الرحم، والتكافل الاجتماعي، وحسن الجوار، والعمل الجماعي، وهي قيم ساهمت في الحفاظ على توازن المجتمع واستقراره. غير أن مظاهر الفردانية والانشغال المتزايد بمتطلبات الحياة الحديثة أثرت بشكل مباشر على حضور هذه القيم في العلاقات الاجتماعية. ومن أبرز الأمثلة التي تعكس تراجع بعض القيم داخل المجتمعات المغاربية مقارنة بالماضي، تقلص مظاهر التضامن الاجتماعي بين الجيران والأقارب، وتراجع الزيارات العائلية المنتظمة وصلة الرحم، فضلا عن ضعف ثقافة التطوع والعمل الجماعي التي كانت حاضرة بقوة في الأحياء والقرى. وأورد المتحدث نفسه أنه يلاحظ تراجع احترام بعض الشباب للكبار في السن وفي الفضاءات العامة، إضافة إلى انتشار مظاهر الأنانية والفردانية وتغليب المصالح الشخصية على المصلحة الجماعية، وتبرز هذه التحولات أيضا في انخفاض المشاركة في الأنشطة الاجتماعية والثقافية المشتركة، مقابل تزايد الانشغال بالعالم الرقمي ووسائل التواصل الاجتماعي، الأمر الذي أثر على قوة الروابط الإنسانية المباشرة. وأضاف أكياس أن هذا التراجع لا يعني اختفاء القيم الأصيلة بشكل كامل، بل يعكس تغيرا في أنماط العيش والتواصل، خاصة مع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي وتراجع اللقاءات الأسرية والمناسبات الجماعية التي كانت تشكل فضاءات طبيعية لترسيخ هذه المبادئ ونقلها بين الأجيال. (مهتم بالشأن الاجتماعي والثقافي) استقاهما : عبد الله غيتومي (الجديدة)