د. صلاح الدين شنقيط* عذرا لدانتي ولعمله الخالد "الملهاة الإلهية"، فجماعة منا، اعتبرت السياسة مأساة، فعملت على تبخيسها، ونشرت صكوك الإدانة على المشتغلين بها، ونصبت محاكم للتفتيش والشرف والمروءة، فظلت توزع أحكامها ذات اليمين وذات الشمال، منزهة أعضاءها، مذكرة ببياض أيديهم، وبعدها عن الفساد حقيقه وشبهته. وإلى جانب ذلك، جعلت السياسة مجرد "أحجيات" تُروى وحكايات تذاع "بقهقهات" ذات نبرة خاصة لا تخطئها الأذن، فمن حديث النسب الخزرجي، إلى حكايات مع أولي الأمر، إلى أساطير لا تنتهي... وفي بعض الأحيان دموع تذرف، لمزيد ملح على طعام تعافه العين والنفس معا؛ لم يع هؤلاء، أن وصولهم إلى السلطة، ذات يوم، كان في سياق خاص، استثنائي، انطلت فيه الحيلة على العامة والخاصة معا، تمت فيه شيطنة الخصوم، والتهديد بدعم الشارع المتأجج، ووظف خلالها المقدس، وأحداث خارج البلاد، كان عنوانها الربيع، فأحيانا الله جميعا حتى اكتشفنا أنه كان خريفا مظلما مدمرا هالكا للحرث والنسل... تستعاد الحكاية نفسها، بشخوصها، ووعدها ووعيدها، لكن دون استحضار الفروقات الجوهرية، فالرجلان لم تعودا تحملان الرجل، فاستعان بعُكاز يتوكأ عليه ويهش به على أغنام لم تخضع للإحصاء الرسمي للقطيع، و"جُند محمد" قُزّم، بأصوات الناخبين وعقابهم، إلى مجموعة نيابية لا حول لها ولا قوة، والأتباع تفرقوا وانصرفوا إلى مشاريعهم، وإلى حياتهم الخاصة، بين من عاد إلى عيادته الطبية، ومن رجع إلى مهنته في المحاماة، ومن يقتات من معاش استثنائي هيأته له "العشر السمان"؛ ليس العيب أن يختفي طالع "السعد" أو أن تتراجع القوة ويحل الوهن محلها أو أن يخفت "الوهج"، ويتحول إلى نور مصباح غير مضيء ... لكن العيب أن يجري المرء وراء سراب، في صورة مأساة أو ملهاة، يشيطن الآخر، ويتهمه في عرضه وذمته دون حجة ولا وجه حق، أو أن يضحك على ذقون العامة فيستغل حاجتها وضعفها، ويُنفّس عليها بعنتريات وأزليات يعلم الجميع أنها من نسج خيال جامح لا حدود له، في رحلة سبقت الحملة الانتخابية، يجوب فيها صاحبنا البلاد طولا وعرضا، مُمنيا نفسه بالعودة إلى السلطة "ببضاعة مجزاة"، بإلغاء الساعة الإضافية، التي أضيفت ضمن إضافات مَسّت كل شيء؛ الزمن، والمأكل والمشرب، والوقود... عُذرا فالتاريخ لا يكرر نفسه، وإذا حدث ذلك فسنكون أمام مأساة أو مهزلة، وهو ما سيعمل الجميع على تفاديه وعدم وقوعه، مسلحين في ذلك بديمقراطية المؤسسات وبأصوات الناخبين الأذكياء ذوي الذاكرة الحيّة، الذين لن تنطلي عليهم الحيلة مرة أخرى. *نائب برلماني