حوادث

دم مغربي في الجولان7

استشهاد العقيد العلام

مرت أزيد من 42 سنة على مشاركة القوات المغربية في حرب الجولان في أكتوبر/ رمضان عام 1973 إلى جانب القوات السورية. ما يعاب عن هذه المشاركة هو شح المعلومات وتضاربها حول الظروف والمعارك التي خاضتها القوات المغربية ضد الجيش الإسرائيلي، اللهم النزر القليل منها، التي عجز بعضها عن عد عدد قبور الشهداء المغاربة بسوريا.
تسعى هذه السلسلة إلى محاولة إعادة كتابة تاريخ تلك المشاركة البطولية للمغاربة من وجهة نظر شاهد عيان، صحيح أنه كان جنديا بسيطا وقتها، لكن شهادته، أمام صمت الضباط، ورحيل العديد منهم إلى دار البقاء، تجعلها قيمة، فالجنود البسطاء هم حطب المعارك.

في الصباح، تجمعنا من جديد استعدادا لجولة جديدة من المعركة. تجمع أمامنا الضباط، تناقشوا مع ضابط آخر لم يسبق لي أن شاهدته من قبل، رغم مرور يوم من المعركة، إنه الشهيد العقيد العلام.
حرارة النقاش، سببها اختلاف في وجهة النظر بين العلام وباقي الضباط، فالعقيد أمر بالتقدم وشن الهجوم على مواقع العدو مجددا دون تردد، من أجل تدمير الحصون الإسرائيلية التي على الجبل، وفتح طريق إلى القنيطرة السورية وتحريرها، حسب الخطة العسكرية التي وضعتها القيادة السورية، في حين اقترح ضباط تأخير الهجوم إلى حين التوصل بأسلحة جديدة متطورة، سيما بعد أن كشفت تلك التي حاربنا بها في المعركة السابقة فشلها في دك حصون الإسرائيليين، وأيضا مطالبة السوريين بالهجوم على مواقع مدفعية العدو لتعطيلها، بعد أن أمطرتنا بقذائف من مختلف الأحجام، ما عرقل هجومنا الأول.
بصرامة عسكرية وثقة في النفس، تمسك العقيد العلام بموقفه، وأمر جميع القوات بالتقدم إلى مواقع العدو. انطلق الجميع، جنودا ودبابات قاصدين الثلة المجاورة لجبل الشيخ.
 كان الشهيد العلام يتقدمنا وهو على برج دبابته. كان يصدر أوامر صارمة ومحفزة في الوقت نفسه، إلى الجنود المشاة وقادة الدبابات المغربية من أجل الإسراع في التقدم، كان يصيح بصوت عالي “EN AVANT، EN AVANT “.
بعد وقت ليس بقصير، بدأت تلوح لنا القواعد العسكرية للعدو الإسرائيلي، وما إن تقدمنا خطوات، حتى بدأت قذائف المدفعية تتساقط علينا، وتبعتها طلقات متواصلة لرشاشات من الحجم الكبير. اشتعلت الأرض من جديد. كان بعضنا يحتمي بالدبابات في حالة سقوط قذيفة، في حين ينبطح آخرون على الأرض.
رغم القصف العنيف، كان الشهيد العلام، يتقدم بثبات نحو مواقع العدو، ويوجه تعليماته إلى الضباط من برج دباباته، وفجأة، بدأ الإسرائيليون يستهدفون الدبابات المغربية بقذائف مضادة للدروع. انفجرت قذيفة قرب دبابة العقيد العلام، دون أن تتسبب في تعطيلها.
واصلت دبابة العقيد العلام تقدمها، وفجأة، أثارنا ضوء قذيفة في السماء أطلقها الإسرائيليون. تابعنا مسارها باهتمام رغم اشتداد المعركة، إلى أن تفاجأنا بسقوطها مباشرة على دبابة العقيد العلام. كانت الإصابة مباشرة وتكشف دقة مصوبها.
 انفجرت الدبابة بشكل رهيب، أسرعنا نحوها، ونحن نتلهف لإنقاذ طاقمها، لكن للأسف، فارق الجميع الحياة محترقا. لم تكن قذيفة عادية، بل مصنوعة من مادة “الفوسفور” الحارق. أخرجنا جثث طاقمها وانتشلنا جثة العقيد. تكلف جنود بنقلها إلى المعسكر.
بعدها بدأت باقي الدبابات تتعرض لقصف شديد. انفجرت الأولى بعد
 أن أصيبت بقذيفة مباشرة، ثم انفجرت الثانية والثالثة، قضي على كل من كان فيها. انتشلنا جثث طاقمها. بعضها تفحم بالكامل.
واصلنا تقدمنا رغم هذا المصاب الجلل، تكلف بقيادتنا ” الكومندان” مستور. أثرت فينا كثيرا ظروف استشهاد العقيد. زادتنا الحادثة شراسة غير معهودة ورغبة كبيرة في الانتقام.
نجحنا بعد معارك ضارية بالرشاشات والقذائف “أر بي جي” في صعود الجبل، والعودة إلى مواقعنا التي تركناها في معركة أمس. حاصرنا القاعدة العسكرية من جديد وأطلقنا عليها نيرانا كثيفة، لكن ظلت حصينة.
نجح جنديان من فرقتنا في التسلل إليها، رغم كثافة النيران والأسلاك الشائكة، وتمكنا من اقتحامها. ترقبنا تفجيرات في القاعدة، لكن لا شيء تحقق، بعد برهة، عاينا زميلنا يعود، ويخبرنا أنه دخل القاعدة، لكنه وجد نفسه في متاهة. كان أمام أنفاق عديدة دخل بعضها دون نتيجة، كان يسمع صوت الإسرائيليين، لكن دون أن يحدد غرفة أو جهة يوجدون بها، فقرر العودة.
مصطفى لطفي

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق