"الصباح" جالست حالات نالت حريتها مقابل منطق "رابح رابح" لفائدة السجين والمجتمع والدولة يشكل منطق "رابح رابح" في تجربة تطبيق العقوبات البديلة تحولا إيجابيا في مسار التعامل مع العقوبة السالبة للحرية، وهي تغيير إيجابي يحمل في طياته تحقيق منافع متبادلة، ستفيد السجين الذي سينال حريته بمقابل قانوني وكذا الدولة للاستفادة من خدمات كفاءات بشرية، وفي الوقت نفسه الحد من ظاهرة الاكتظاظ في المؤسسة السجنية وتداعياتها السلبية مع ضمان إدماج ناجح. إنجاز: محمد بها / تصوير: (أنس القرني) بعد شروع السلطات المغربية، في تطبيق قانون جديد يتيح استبدال بعض العقوبات السجنية بعقوبات بديلة، والتي تشمل الجنح التي لا تتجاوز مدة العقوبة فيها خمس سنوات، تم استثناء مرتكبي الجرائم الخطيرة التي تتنوع ما بين الإرهاب والاختلاس والرشوة وتبديد الأموال العمومية وغسل الأموال ليكونوا ضمن الحالات التي لا تستفيد من العقوبات البديلة. ومن خلال اللقاءات التي أجرتها "الصباح" مع عدد من المستفيدين من العقوبة البديلة بأنواعها المختلفة التي تتوزع ما بين العمل لأجل المنفعة العامة والسوار الإلكتروني والغرامات المالية اليومية، يتبين أن الدولة من خلال هذا التوجه الجديد تهدف إلى التخفيف من معضلة اكتظاظ السجون وما يرافقها من مشاكل، وفي الوقت نفسه إعطاء المدانين فرصة ثانية تمكنهم من ضمان حريتهم ومساعدتهم على الاندماج في المجتمع، بعيدا عن غياهب السجون. تجربة السوار الإلكتروني... حرية مشروطة خديجة شابة تقطن بضواحي المحمدية، واحدة من المستفيدات من العقوبة البديلة. صدر في حقها حكم بالإدانة بالحبس النافذ قضت منه سنة حبسا وهي خلف القضبان، قبل أن تستفيد من العقوبة البديلة مما تبقى من عقوبتها الحبسية التي كان قد تبقى منها ستة أشهر. وفي إطار التنوع الذي تعرفه العقوبات البديلة، استفادت السجينة الشابة من عقوبة السوار الإلكتروني الذي تقرر أن تضعه لمدة 6 أشهر في جميع تحركاتها، وهو عقوبة بديلة من نوع آخر. وبناء على توجيهات قاضي تنفيذ العقوبة، استفادت خديجة المعتقلة السابقة، من السوار الإلكتروني بعد حكم قضائي يقضي بتركيبه، في خطوة من شأنها تخفيف اكتظاظ السجون وتحديث المنظومة العقابية. واستحسنت خديجة التي كانت تشارك تجربتها مع "الصباح" وهي تظهر واضعة السوار الإلكتروني في ساقها، قرار السلطات المختصة الإفراج عنها مقابل مراقبة تحركاتها، مشددة على أن تفعيل عقوبة السوار الإلكتروني جاء بعد تقدمها بطلب الاستفادة من العقوبة البديلة، معبرة عن سعادتها البالغة وهي تعانق الحرية وتجتمع مجددا بأسرتها وعائلتها بعد فراق ليس بالهين. وكشفت خديجة تفاصيل استبدال الحبس النافذة بوضع "الدملج" بساقها، مشيرة إلى أن استفادتها من عقوبة السوار الإلكتروني رهين بمراقبة السلطات مدى بقائها داخل بيت الأسرة والأماكن التي سمح لها بالتحرك فيها، مع ضرورة التردد على مركز الشرطة من أجل الخضوع للتنقيط "البوانتاج" والالتزام بمجموعة من الشروط الصارمة التي لا ينبغي الإخلال بها، إلا أن ذلك لم يمنع المستفيدة من اعتبار هذا الإجراء فرصة جديدة لمراجعة أخطائها السابقة والتكفير عنها باحترام القانون والاندماج، بعد استخلاص دروس "الحرية ماليها ثمن". ومن خلال تجربة خديجة، يتبين أن السوار الإلكتروني يدخل ضمن المراقبة الإلكترونية، إذ بواسطة الجهاز الموضوع في ساق المستفيد من العقوبة البديلة، ترصد المنصة الوطنية للمراقبة تحركات المعني بالأمر عبر نظام معلوماتي، حيث يتم إرسال إنذار فور خرق المساحة المسموحة، مع إمكانية إبلاغ السلطات القضائية لاتخاذ الإجراءات. وفي حال خرق المراقبة الإلكترونية، بسبب عدم التزام المحكوم عليه بضوابط السوار الإلكتروني، يتم رفع تقرير للجهة القضائية، ما يجعل القاضي يقرر تنفيذ العقوبة الحبسية الأصلية، والأمر بإيداع المخل بمضامين العقوبة البديلة السجن لإكمال عقوبته خلف القضبان، وما يعنيه ذلك من توديع الحرية حتى لو كانت مشروطة. العمل لأجل المنفعة العامة...خدمة الصالح العام تشكل عقوبة العمل لأجل المنفعة العامة بديلا للعقوبات الحبسية النافذة، أقرها القانون رقم 43.22 والذي دخل حيز التنفيذ في غشت الماضي للحد من الاكتظاظ في المؤسسات السجنية. وتتضمن تنفيذ عمل غير مؤدى عنه لفائدة الصالح العام يشمل المؤسسات والمرافق التابعة للدولة والجماعات والجمعيات ذات النفع العام أو دور العبادة، لمدة تتراوح بين 40 و3600 ساعة، للمحكومين بعقوبات سالبة للحرية لا تتجاوز 5 سنوات. وفي ما يخص آجال تنفيذ عقوبة المنفعة العامة يتم فيها إنجاز الأشغال في 6 أشهر، قابلة للتمديد لمرة واحدة لمدة مماثلة. فاطمة الزهراء، التي تقطن بالعاصمة الاقتصادية، واحدة من اللواتي حظين بفرصة مغادرة السجن والاستفادة من العقوبة البديلة مقابل العمل لأجل المصلحة العامة، كشفت أنها لم تكن على علم بالهدية التي منحها إياها شقيقها، بعدما اختار مباشرة الإجراءات القانونية لضمان استفادة أخته من العقوبة البديلة، قبل أن يسارع إلى إخبارها بالمفاجأة التي هيأها له لضمان معانقة الحرية وأعز الناس لديها. ورحبت فاطمة الزهراء باستفادتها من العقوبة البديلة باعتبارها فرصة لإعادة الإدماج وتفادي السجن الذي يجعل المدان يعاني فقدان الحرية والأهل والأحباب، ضمنهم الوالدان والأطفال الذين لا يستطيع تحمل البعد عنهم تحت أي ظرف كان. فرصة لنسيان تجربة قاسية كشفت الشابة التي هي في الوقت نفسه متزوجة وأم لطفلين حجم الضرر النفسي الذي عاشته وهي خلف القضبان، خاصة أنها ليست من ذوي السوابق القضائية ولم تألف حياة السجن وتفاصيلها المملة، مشددة على أن العقوبة البديلة كانت رحمة بل فرصة للانبعاث من جديد. وجوابا عن سؤال كيف تتعامل مع برنامج صارم يخص الالتزام بالوقت لتنفيذ عقوبة العمل لأجل المنفعة العامة، قالت فاطمة الزهراء وهي تغالب دموعها "حتى لو تطلب الأمر العمل لدوام كامل فالأهم هو مغادرة الحبس. هل تستوعب معنى البقاء رهينة أربعة جدران وباب مغلق بعيدا عن فلذات كبدك وعائلتك؟ وما يعيشه السجين من قلق حول مصير أطفاله وزوجه وتعذيب الضمير الذي يأتي جراء العناء الذي يتحمله الآباء الكبار السن خلال زيارة النزيل؟ في الحقيقة شتان بين العقوبة البديلة والاعتقال، والحمد لله هي تجربة ستكون درسا لي مدى الحياة". برنامج صارم لالتزام يومي تبذل فاطمة الزهراء مجهودات جبارة لتكون في حجم المسؤولية الملقاة على عاتقها وهي تدرس بأحد المراكز المختصة في المعلوميات التابعة لمؤسسة التعاون الوطني، مشددة على أنها تستيقظ باكرا لقضاء أغراضها مع الحرص على الحضور قبل الوقت المحدد، باعتبار أن أي تخلف عن العمل لأجل المنفعة العامة دون مبرر قانوني يمكن أن يؤدي إلى إلغاء العقوبة البديلة والعودة إلى السجن، قبل أن يتبدد الشعور بالخوف ويصير إحساسا بالمسؤولية تجاه فضاء العمل والصالح العام. وتم تحديد مدة عقوبة المنفعة العامة في كل 3 ساعات من العمل لتعادل يوما واحدا من السجن، حسب الممارسات الجاري بها العمل. تعامل إنساني وتحسيس بالقيمة المُضافة رغم أن العمل لأجل المنفعة العامة يدخل ضمن العقوبة البديلة، إلا أن فاطمة الزهراء أكدت أن تجربتها الجديدة تتميز بطابعها الإنساني، مشيرة إلى أن المؤسسة التي تقرر العمل بها لم تشعرها قط بأنها معاقبة، بل كانت المديرة الإقليمية للتعاون الوطني بعين الشق بالبيضاء خير سند لها سواء في نصائحها القيمة أو توجيهاتها، حيث كانت تتعامل معها كباقي الموظفات والموظفين. وعكس المعاملة الدونية التي تطارد السجين السابق أو الشخص المثقل بالعقوبة البديلة في بيئة العمل من قبل المحيطين به، وما يمكن أن يواجهه من سلوكات تحقيرية أو تهميشية أو معاملة غير عادلة تهدف إلى إشعاره بعدم كفايته أو نقص قيمته لدى المجتمع، كشفت فاطمة الزهراء عدم مواجهتها لهذا النوع من المعاملات غير السوية، بل جددت امتنانها العظيم للمديرة الإقليمية للتعاون الوطني بعين الشق بالبيضاء، لتعاملها الاحترافي الذي تجاوز الطابع الإنساني بإحساسها بأنها قيمة مضافة للمرفق العمومي وللصالح العام وليس سجينة سابقة تقررت معاقبتها بالعمل دون مقابل. انخراط مؤسسات الدولة... جهود الإدماج قالت فاطمة عاشوري، المديرة الإقليمية للتعاون الوطني بعين الشق بالبيضاء، "إن الاستعانة بخدمات فاطمة الزهراء، تعتبر أول حالة تلقيناها في إطار تنفيذ العقوبات البديلة بجهة البيضاء سطات في مؤسسات التعاون الوطني". واعتبرت عاشوري في تصريح لـ"الصباح" أن تفعيل العقوبات البديلة ورش وطني اختارت مؤسسة التعاون الوطني الانخراط فيه بإبرام اتفاقية شراكة ثلاثية ما بين المؤسسة ووزارة التضامن والإدماج الاجتماعي والأسرة والمندوبية العامة لإدارة السجون وإعادة الإدماج في 25 نونبر 2025. وأوردت المتحدثة نفسها، أن مؤسسة التعاون الوطني تشتغل مع الفئات الاجتماعية الهشة وتركز على إدماج المستفيدين في المجتمع، وعلى هذا الأساس تم انخراط المؤسسة والمديرية الإقليمية لعين الشق ليتم استقبال أول حالة في إطار تنفيذ العقوبة البديلة لتحل محل العقوبة السالبة للحرية. وفي هذا الإطار، كشفت المديرة الإقليمية للتعاون الوطني بعين الشق بالبيضاء، أن المؤسسة استقبلت حالة فاطمة الزهراء التي ألزمتها السلطات المختصة بالاشتغال 180 ساعة خلال أيام العمل الرسمية، مشيرة إلى أنه في الوقت الذي كان هناك تخوف في السابق من كيفية التعامل مع حالات العقوبات البديلة في حال وقوع تقصير في العمل أو مشكل مرتبط بالتأقلم مع بيئة العمل، تفاجأت أن الشابة كانت عنصرا كفؤا يتميز بالانضباط والحس العالي بالمسؤولية والاحترام للرؤساء والزملاء والمرتفقين. وأسرت المسؤولة لـ"الصباح"، أن تجربة فاطمة الزهراء كانت غنية على جميع المستويات والأصعدة، إلى درجة الشعور بالحزن لاقتراب توديعها لما خلفته من صدى طيب في المؤسسة، مستدركة القول "ولكن هذه هي سنة الحياة، لا بد لهذه الشابة التي اعتبرتها منذ اليوم بمثابة ابنتي أن تستأنف حياتها بشكل عاد مع أسرتها بعيدا عن أي عقوبة". وختمت المديرة الإقليمية للتعاون الوطني بعين الشق بالبيضاء، أن قانون العقوبة البديلة يهدف إلى إعادة إدماج المحكوم عليهم وإصلاحهم دون عزلهم في المؤسسات السجنية، وهو ما جعله يحظى بالإقبال، حيث سجل انخراطا أوليا لعدة قطاعات.