غرف تتحول إلى "أقسام" في ظل غياب المراقبة برزت، في قلب عدد كبير من الأحياء الشعبية بسلا، ظاهرة تتمثل في انتشار مراكز صغيرة للدعم المدرسي وتعليم اللغات، والتي أصبحت وجهة مفضلة للعديد من الأسر الباحثة عن فرص أفضل لأبنائها. هذه الفضاءات، التي غالبا ما تتخذ من شقق سكنية ضيقة مقرا لها، تثير نقاشا متزايدا بين من يراها وسيلة لتحسين المستوى الدراسي، ومن يشكك في جودة خدماتها ومدى احترامها للمعايير المطلوبة. إنجاز: إيمان رضيف داخل أحد مراكز الدعم بحي تابريكت بسلا، تصطف الطاولات بشكل متقارب، ويجلس تلاميذ من أعمار ومستويات مختلفة يتابعون دروسا في اللغتين الفرنسية والإنجليزية، إلى جانب حصص الدعم في المواد الأساسية. تعلو أصوات التلاميذ من مختلف القاعات والغرف، بينما في إحدى الزوايا، ينشغل أستاذ بإعطاء حصة فردية لتلميذة في مادة الرياضيات، غير أنه يضطر بين الحين والآخر إلى مقاطعة الشرح، لمطالبة باقي التلاميذ بإتمام تمارينهم في هدوء. فرغم المساحات الضيقة للمركز، يقصده عشرات الأطفال بشكل يومي، وفي الكثير من الأحيان تعم الفوضى، وينتشر صراخ التلاميذ، ليبقى السؤال الأهم، هل يستفيد التلاميذ من خدمات هذا المركز؟ أم أنه مكان يفرغ فيه الأطفال والتلاميذ طاقتهم عوض البقاء في الشارع وسط الخطر؟ تقول سلمى، وهي أم لطفلين "سجلت ابني في هذا المركز منذ بداية الموسم الدراسي، وفعلا لاحظت تحسنا كبيرا في مستواه"، مضيفة أنه "أصبح يفهم دروسه أكثر ولم يعد يعاني كما في السابق". تضيف الأم بابتسامة أن هذه المراكز "تعوض نوعا ما النقص الحاصل في المدرسة، خصوصا مع الاكتظاظ داخل الأقسام في المدرسة العمومية". شهادة سلمى ليست الوحيدة، إذ يقاسمها الرأي ذاته حمزة، وهو تلميذ في السنة الثالثة إعدادي، مؤكدا بدوره أن تجربته كانت إيجابية "كنت ضعيفا في الإنجليزية، لكن بعد التحاقي بالمركز بدأت أفهم القواعد وأتحدث بشكل أفضل"، قبل أن يضيف أن الأستاذ يشرح بطريقة مبسطة، ونشتغل في مجموعات صغيرة أحيانا. بالنسبة إليه، شكل المركز فضاء مريحا للتعلم، بعيدا عن ضغط القسم. سلبيات تطفو على السطح الصورة المشرقة التي يحاول بعض المستفيدين من مراكز الدعم والتقوية وتعليم اللغات إظهارها، لا تعكس واقع جميع المراكز في المدينة ذاتها، فظروف الكثير منها تبدو مختلفة تماما. قاعة ضيقة تضم أكثر من عشرين طفلا، ضجيج وصعوبة في التركيز، ومدرس يحاول جاهدا السيطرة على الوضع. فاطمة، أم لثلاثة أطفال، من بين الذين لا يترددون في التعبير عن استيائهم "سجلت ابنتي على أمل أن تتحسن، لكنني لم ألاحظ أي تغيير. عدد التلاميذ الذين يقصدون المكان كبير جدا، والأطفال فقط يجلسون دون متابعة حقيقية. أشعر أنها مجرد "حضانة" وليست مركز دعم". هذا الرأي يشاركه والد ياسين أيضا، وهو تلميذ في المرحلة الابتدائية، موضحا أنه اكتشف أخيرا أن ابنه يأتي إلى المركز للعب فقط، وليس من أجل مراجعة دروسه، سيما أن الأستاذ لا يستطيع متابعة الجميع وضبط الوضع، قبل أن يضيف أن الحصص تمر أحيانا دون فائدة تذكر. بين هذين النموذجين، يطرح السؤال حول معايير التأطير وجودة التعليم داخل هذه الفضاءات، ليؤكد مشرف على مركز بالحي ذاته، أنه شخصيا، يحرص على تقديم خدمات حقيقية رغم التحديات "نحاول قدر الإمكان تقسيم التلاميذ حسب المستوى، لكن الإقبال كبير والإمكانيات محدودة"، يقول الرجل قبل أن يضيف أن الطلب المتزايد، سيما مع اقتراب موعد الامتحانات، يعكس حاجة ملحة لدى الأسر. وأضاف أن بعض المراكز تستفيد من غياب التقنين، وهو ما يفتح الباب أمام ممارسات غير مهنية "ليس كل من يفتح مركزا يمتلك الكفاءة البيداغوجية اللازمة، ما يجعل بعض هذه الفضاءات تفتقر إلى برامج واضحة أو أهداف تعليمية محددة". حل "على قد الجيب" لا يمكن إنكار الدور الذي تلعبه هذه المراكز، بالنسبة إلى عدد من الأسر، خاصة التي لا تستطيع تحمل تكاليف حصص الدعم الفردية، إذ تعتبر هذه المراكز حلا وسطا، حتى إن كان غير مثالي. تقول والدة أحد التلاميذ المستفيدين من هذا النوع من الخدمات "هذه المراكز ليست الأفضل، لكنها تقدم خدمات مساعدة، فعلى الأقل هناك من يرافق الأطفال في المراجعة". والأكثر من ذلك، أن أسعارها تبقى "على قد الجيب"، إذ أن حصص دعم تلاميذ في المستوى الابتدائي لا تتجاوز 200 درهم في الشهر، أما الإعدادي والمستوى الثانوي فيحدد السعر في 200 درهم لكل مادة، وهي أسعار تبقى مقبولة، مقارنة بما يطلبه أستاذ يقدم حصصا فردية. ومن المشاكل التي تواجه مراكز الدعم وتعلم اللغات في الأحياء الشعبية تغيير الأساتذة. فالكثير من هذه المراكز تضطر إلى تغييرهم بشكل متكرر، إذ يقرر بعضهم التوقف عن تقديم خدماتهم بمجرد تلقي عرض مغر من مركز آخر أو فرصة عمل أفضل. يقول أحد أولياء الأمور "الاستمرارية هنا شبه معدومة"، موضحا أن كل تغيير للأساتذة يعني بداية جديدة للأطفال، واضطرارهم للتكيف مع أسلوب جديد في الشرح والتدريس. وأضاف أن هذا الواقع يقلل من فعالية الدروس، ويؤثر على التحصيل الدراسي للطلاب، حتى ولو كانت المواد المقدمة جيدة.