حرر الأسعار لضرب الطبقة المتوسطة والغنية واستمالة الفقيرة بالدعم الشهري من الأشياء التي ما زالت تثير الجدل حول حكومة عبد الإله بنكيران، وهي كيف تملك هذا الزعيم السياسي الجرأة لفتح ملفات تهرب منها سياسيون كبار خلال توليهم الوزارة الأولى، وأبرزها إسقاط صندوق المقاصة وتحرير الأسعار. في البداية روج بنكيران وحزبه العدالة والتنمية، فكرة أن مالية الدولة تعيش عجزا كبيرا، وأن قرار حذف صندوق المقاصة لا مناص منه لاستعادة التوازن المالي، بل خرج شخصيا وقتها وفي تحد للجميع، يتفاخر بالقرار في رسالة مفادها أن كل الوزراء الأولين الذين مروا سابقا، جبنوا أمام هذه الملفات إلا هو، بل ما زال إلى اليوم، وهو يستمتع بتقاعده السمين، يتباهى بهذا الإنجاز. الأكثر إثارة في هذا الملف، أن قراره بتحرير الأسعار، رغم أنه يضرب في الصميم القدرة الشرائية، لقي سندا ورضى وموافقة العديد من المغاربة. بعد هذا القرار، تم الترويج لدعم مالي ستخصصه "الحكومة الإسلامية" للفقراء، وهي عبارة عن منح ومبالغ مالية شهرية لتجاوز محنة الأسعار. تفاعل المغاربة بشكل إيجابي مع القرار، رغم أن سعر المحروقات وبعض المواد الأساسية بدأت تعلن عن انطلاقة زيادات لم تتوقف إلى اليوم، لكن بعد مغادرة العدالة والتنمية سفينة الحكومة نهائيا، وقعت الكارثة، وظهرت أهمية صندوق المقاصة، سيما بعد أن تضاعفت أسعار المواد الأساسية والمحروقات، بنسبة تتجاوز 50 في المائة، بسب أزمات دولية غير متوقعة. في حوار سابق لـ"الصباح" مع الحسين اليماني، القيادي في الكنفدرالية الديمقراطية للشغل، تم كشف اللغز، ومعرفة السر الذي جعل بنكيران وحوارييه في حزبه، يتخدون هذا القرار غير المسبوق في تاريخ الحكومات الوطنية، إذ تبين أن من حزن وتعاطف مع ميزانية الدولة، أذرف فقط دموع التماسيح، وأنه خطط بهذا القرار الصادم خدمة أجندة الحزب، باستعمال طبقة اجتماعية على حساب أخرى. في الحوار، أكد اليماني أنه بعد وصول عبد الإله بنكيران إلى رئاسة الحكومة، خطط لأن يظل رئيسها الدائم، لهذا شرع في ممارسة الشعبوية على المغاربة، وأخطأ التقدير عبر اتخاذ قرارات غير محسوبة العواقب، منها حذف صندوق المقاصة. وأكد اليماني أن حكومة بنكيران قامت بدراسة حول مشاركة المغاربة في الاستحقاقات الانتخابية، ووجد أن الفئات الفقيرة هي التي تشارك بكثافة في عمليات التصويت، على نقيض الطبقة المتوسطة والغنية، لهذا اتخذ بنكيران قرار تقليص وإسقاط الدعم العمومي على مجموعة من المواد الأساسية، التي تستفيد منها الطبقة المتوسطة والغنية، وعلى رأسها المحروقات، وفي المقابل توزيع أموال كانت مخصصة للدعم على الفقراء لضمان أصواتهم في كل استحقاقات انتخابية. هذا القرار، أي إسقاط الدعم، يؤكد القيادي في الكنفدرالية الديمقراطية للشغل، لم تتجرأ أي حكومة سابقة على القيام به منذ 1956، إذ لم يؤثر فقط على ارتفاع أسعار المحروقات، بل كانت له ارتدادات على مواد وسلع ومنتوجات أخرى، لنكون أمام فوضى غير متوقعة من ارتفاعات متتالية في أسعار جميع المنتوجات والقطاعات، ما أضر بشكل كبير بالقدرة الشرائية للمواطنين، وتسبب لهم في أزمات وعجز مالي كبير. مصطفى لطفي