تعاونيات تستعرض خيرات الواحة والجبل وتحتضن إبداعات الصانع التقليدي في وقت تخوض فيه المنتجات المحلية التقليدية منها والطبيعية، معركة وجود في وجه المنتجات المستوردة المصنعة، ما يزال سكان "أسامر" أو الجنوب الشرقي للمملكة، محافظين على إرثهم الحضاري المحلي، سواء تعلق الأمر بالمنتجات الطبيعية الغذائية والتجميلية أو المصنوعات والملابس والأفرشة التقليدية، التي تعبر عن روح المنطقة ومؤهلاتها الطبيعية، وعبقرية إنسانها، الذي طوع المجال وتكيف معه وأبدع فيه. إنجاز: عصام الناصيري (موفد "الصباح" إلى تنغير) شكل معرض الصناعة التقليدية، الذي أقيم بتنغير، في الأيام الأخيرة، على هامش منتدى المضايق والواحات، فرصة لاستعراض مؤهلات إقليم تنغير، في الشق المتعلق بالصناعة التقليدية في مفهومها الواسع، باعتبارها أحد محفزات النشاط السياحي، وإحدى ركائز التنمية المحلية، والنهوض بالأوضاع الاقتصادية للنساء، باعتبارهن عصب هذه الصناعة. "زربية تازناخت"... لوحة فنية لعل زربية تازناخت بأشكالها المختلفة، من أثمن وأجود المنتوجات، التي يمكن لزائر معرض الصناعة التقليدية بتنغير، الذي نظم على هامش أشغال منتدى المضايق والواحات، مصادفتها أثناء تنقله بين أروقة وخيم عرض المنتجات المحلية للمنطقة، إذ تخطف أنظار الزوار، وتستدعيهم لإلقاء نظرة، والوقوف أمام لوحات فنية تخترقها رموز ورسومات بديعة تستوقف أصحاب الحس الرفيع. داخل أحد أروقة العرض كان يقف محمد إزوغن، ممثل تعاونية "تيمناي"، التي تضم مجموعة من النساء المحترفات في فن زرابي "أيت وغرضة"، وهو إبداع خاص بقبيلة أيت وغرضة، الواقعة في سفوح جبال سيروا، بإقليم ورزازات. يقول محمد إن قبيلته تتميز بسلالة أغنام فريدة من نوعها، وتتميز بصوف من النوع الجيد، يستعمل في نسج الزرابي، التي تعرف عالميا بزربية "تازناخت"، والتي لها صيت كبير داخل المغرب وخارجه. ويضيف ممثل "تينماي" أن هذه التعاونية تستفيد منها أزيد من 50 نساجة، من خلال تسويق منتجاتهن، خاصة في السوق الأمريكية، التي تعينهن على إعالة أسرهن، مبرزا أن التعاونية لديها موقع ومتجر إلكتروني، تبيع فيه منتجات وإبداعات نساء القبيلة. تمر زربية "تازناخت" من مراحل صناعية كثيرة تنتهي بالحصول على لوحة فنية بديعة، إذ يتم جز الأغنام، وجمع صوفها في فصل الربيع، وإعداد الصوف وغسله وتنظيفه، قبل المرور إلى مرحلة "التقرشيل" وإعداد خيوط الصوف، التي تتم صباغتها بألوان مختلفة، يتم استخراجها من نباتات من الطبيعة، من قبيل نبتة الفوة الصبغية أو "تاروبيا" بالأمازيغية، والتي تعطي طبقة فريدة من اللون الأحمر الغامق. وبعد الصباغة تأتي مرحلة النسج، إذ يتم تجهيز "أزطا" أو المنسج، وتبدأ النساء في نسج لوحاتهن بتركيز عال، مستخدمات رسومات ورموزا أمازيغية عريقة، لا يعرف تاريخها ومعناها أحيانا من شدة قدمها، علما أن بعض اللسانيين والأنتروبولوجيين يرجحون أن بعض تلك الرموز هي الشكل الأولي أو البدائي، الذي تطور عنه حرف "تيفيناغ"، الذي تكتب به اللغة الأمازيغية اليوم. إبداع عابر للقارات تعتمد نساء دوار النقب بجماعة سيروة، الذي تنسج فيه هذه الزرابي، "إغيل" أو الذراع باعتباره وحدة قياس، والذي يعادل تقريبا 50 سنتيمترا، ومن أجل نسج قطعة طولها خمسة أذرع وعرضها ثلاثة، يتطلب هذا العمل شهرين على الأقل، وغالبا ما تتعاون امرأتان على زربية من هذا الحجم، إذ لا يكفي مكان الجلوس لأكثر من اثنتين عند النسج. يتم تسويق المنتوج في محل تجاري بالدوار، وفي الموقع والمتجر الإلكتروني، غير أن جل عمليات البيع تتم عن طريق تصدير القطع إلى أمريكا، إذ تتوفر التعاونية على موردات أمريكيات، اللائي يتواصلن مع النساء من أجل اختيار "الكوليكسيون" والمقاسات، وعند الانتهاء منها ترسل إلى أمريكا، وتقوم الأمريكيات بتحويل الأموال للمعنيات بالأمر. وفي ما يخص أسعار البيع، يؤكد محمد أنه غير ثابت ويتحرك حسب جودة المواد المستعملة ومدى تعقيد الرسومات والرموز، مبرزا أن جودة الصوف والصباغة تلعب دورا مهما، لكن الأهم يكمن في تعقيد الرموز، إذ هناك نوع يسمى "تيريرا" شديد التعقيد، يباع بسعر مرتفع رغم تشابه الأبعاد، مع نوع زربية "أخنيف الخريطة" أو "العقدة". ويمكن أن يصل سعر زربية من مترين ونصف متر في الطول، ومتر ونصف متر في العرض، إلى 3700 درهم أو أكثر، وهناك التي تباع بـ 2500 درهم، ويمكن أن تصل بعض الأنواع البسيطة وصغيرة الحجم مثل "العقدة" إلى 1000 درهم. ويتم توارث حرفة نسج زرابي "تازناخت" أما عن جدة، غير أن خطر اندثار هذه التقنيات قائم، إذ أقر محمد أن هذا الأمر يعد إشكالية كبيرة، خاصة أن جل نساء التعاونية تفوق أعمارهن 40 سنة، في حين أن الشابات غير مهتمات بهذه المهنة، ويفضلن الوظيفة والدراسة الجامعية. "تاحرويت" والقطيب... شهرة تجاوزت "أسامر" يعرف إقليم تنغير بأزيائه المميزة من قبيل السبنية والقطيب و"تاحرويت" وغيرها، والتي سعت مجموعة من النساء إلى تطويرها إلى درجة تجاوزت شهرتها منطقة درعة تافيلالت، إذ أصبحت تباع في عدد من المدن، كما أصبحت ترمز إلى اللباس الأمازيغي المعتمد في المناسبات. تقول خديجة الحلوي، رئيسة تعاونية "تاشطات"، إن نشاطها يركز على الزي التقليدي لدرعة تافيلالت، خاصة إقليم تنغير، من قبيل تاحرويت و"القطيب أمازيغ"، مبرزة أن "القطيب" كان في السابق يقتصر على اللونين الأصفر والأحمر، واليوم أصبحت فيه ألوان مختلفة، بسبب رغبة النساء تنسيق "القطيب" الذي يوضع على الرأس مع القفطان أو "التكشيطة"، الأمر نفسه بالنسبة إلى "تاحرويت" التي كانت النساء تلتحف بها في السابق، بينما اليوم تصنع منها "بيجامات" و"لبسات" للفتيات الصغار، إضافة إلى "الكاب" الذي يوضع على الكتفين وغيرها. وتؤكد خديجة أنها حريصة على حضور المعارض من أجل التعريف بمنتجاتها في مختلف المدن المغربية والملتقيات، مؤكدة أنه بفضل المعارض اشتهرت أزياء تنغير في مناطق مختلفة من المملكة، خاصة في الجهة الشرقية، مثل الناظور وبركان والمناطق المجاورة التي تقبل بشكل كبير على هذه الأزياء. "إمكساون"... حماة الطبيعة من أهم المنتجات التي تستوقف زوار المعرض، رواق الأعشاب والنباتات العطرية والطبية والغذائية، التي تعرضها تعاونية "إمكساون"، التي تعني الرعاة بالأمازيغية، والتي يقوم أفرادها بالإضافة إلى نشاط الرعي بجمع النباتات والأعشاب، وبيعها في التعاونية. يقول زايد تقريوت، رئيس تعاونية "أمكساون"، إن الرعاة حريصون على حماية النباتات والأعشاب في الطبيعة، لأنها تعبر عن جزء كبير من ثقافتنا الطبية والغذائية. ويضيف زايد أن الرعاة ملتزمون بحماية الطبيعة لأنها مصدر عيشهم، ويقضون فيها جل أوقاتهم، وتوفر الكلأ لماشيتهم، مبرزا أنهم يجمعون الأعشاب عندما يكونون في الجبال والصحاري، وتتسلمها التعاونية منهم وعند البيع يتوصلون بنصيبهم. وبالنسبة إلى الأعشاب التي تعرضها التعاونية، يقول زايد إن هناك "أزوكني" أو الزعيترة وهناك الزعتر، وهناك الشيح أو "إزري" و"النبق" أو "واري"، إضافة إلى "البابونج" والكامون الصوفي و"اللويزة" والثوم و"الشريحة" المطحونة والخروب وغيرها من المعروضات. "رابـوز" تنغيـر... مقـــــــاومة التغيـر من الحرف التي تشتهر بها تنغير صناعة "الرابوز"، الذي كان إلى عهد قريب أداة لا يمكن الاستغناء عليها في كل منزل، غير أن تطور نمط الحياة أدى إلى الاستغناء عنه، وأصبح جل الزبائن يقتنونه من أجل استخدامه ديكورا للتزيين داخل المنازل والمحلات والمرافق السياحية والترفيهية. يخطف "الرابوز" الأحمر الشهير أنظار زوار معرض الصناعة التلقليدية بتنغير، باعتباره أحد المنتوجات التي تثير الحنين في الزوار، وتذكر جلهم بصفحة من طفولتهم، عندما كان إعداد الطعام وتدفئة المنازل باستخدام الحطب، الذي كان ينفخ فيه بهذه الأداة. في مدخل المعرض كان رجل يبدو في عقده الخامس منهمكا في دق دبابيس "رابوز" جديد، صنعه للتو، إذ يضع بالقرب منه سلة من الدبابيس ويحمل مطرقة في يده اليمنى، ويساعده كل دبوس في تثبيت الجلد على الخشب وصنع أشكال هندسية للتزيين، واضعا هذه التحفة بين رجليه للتحكم فيها، في خيمة مليئة بأشكال وأحجام مختلفة من "الرابوز" الأحمر الزاهي. يقول هذا الصانع التقليدي في حديثه مع "الصباح" "تعلمت هذه الحرفة عن أبي، الذي تعلمها بدوره عن أبيه"، مضيفا أن قصة هذا "الرابوز" تقول إن رجلا من تنغير كان في القديم مستقرا في منطقة دمنات، وتعلم هذه الحرفة هناك ونقلها إلى تنغير، واليوم انقرضت الحرفة من دمنات، وحافظ عليها أهل تنغير. وأضاف هذا الفنان الذي يتقن جميع مراحل صنع هذه التحف التزيينية، أن صنع "رابوز" يتطلب خشبا وجلدا و"جعبة" حديدية ودبابيس وصباغة، مؤكدا أنه في السابق كان الصناع يقتنون الخشب والجلد محليا، لكن اليوم أصبح من الأفضل اقتناؤه من خارج الإقليم، علما أن الخشب يأتي من خارج البلاد. وأكد الصانع نفسه أن اللون الأحمر أساسي إذا أراد بيع منتوجه، مؤكدا أنه جرب ألوانا أخرى غير أنه وجد صعوبة في بيعها عكس اللون الأحمر، مشيرا إلى أن السعر يختلف حسب الحجم وطريقة التزيين، إذ الحجم الصغير يباع بـ 35 درهما و50 و70، بينما تتراوح أسعار المتوسط والكبير ما بين 100 درهم و200. ويشدد المتحدث نفسه أن ظروف العمل صعبة، والمردودية ضعيفة، إذ أن جل الشباب لا يرغبون في تعلم هذه الحرفة، إذ منهم من تعلم، كما هو الأمر بالنسبة إلى فريق "اشتغلت معه وعلمته بشراكة مع منظمة اليونيسكو، لكن عندما يفكرون مليا يجدون أن الحرفة لا تدر مالا يضمن حياة كريمة"، مشيرا إلى أن الصانع التقليدي في حاجة ماسة إلى التفاتة من الجهات المعنية، قائلا "أعمل في هذا المجال منذ الثمانينات وما أزال أسكن في دار للكراء".