fbpx
حوادث

الرقابة القضائية على قرارات المحافظ العقاري

تعديل ظهير التحفيظ العقاري جعل الاختصاص للمحاكم الإدارية      (الحلقة الثالثة

بقلم: ذ. فكير عبد العتاق *
بقلم: ذ. فكير عبد العتاق *
)

إذا كان مطلب التحفيظ يعتبر قرينة على ملكية طالب التحفيظ للملك المطلوب تحفيظه، فإنه يعتبر قرينة بسيطة تقبل إثبات العكس والقرينة المعاكسة لا تثبت إلا بواسطة التعرض 5 وينص الفصل 24 من ظهير التحفيظ العقاري على أنه « يمكن لكل شخص يدعي  حقا على عقار تم طلب تحفيظه أن يتدخل عن طريق التعرض في مسطرة التحفيظ خلال أجل شهرين يبتدئ من يوم نشر الإعلان عن انتهاء التحديد في الجريدة الرسمية إن لم يكن قام بذلك من قبل وذلك : 1- في حالة المنازعة في وجود حق الملكية لطالب التحفيظ أو في مدى هذا الحق أو بشأن حدود العقار. 2- في حالة الادعاء باستحقاق حق عيني قابل للتقييد بالرسم العقاري الذي سيقع تأسيسه.3 – في حالة المنازعة في حق وقع الإعلان عنه طبقا للفصل 84 من هذا القانون».
حيث إن ما يهمنا حسب موضوع البحث، ودون الدخول في تفاصيل شكليات تقديم التعرض، هو المنازعة التي تقع بشأن قرارات المحافظ العقاري المتعلقة بقبول التعرض، أو رفضه، أو اعتباره ملغى، إذ بعد أن كانت مقتضيات الفصل 32 من ظهير التحفيظ  العقاري قبل التعديل تنص على أن المحاكم العادية هي المختصة نوعيا بالبت في الطعن فيها في حالة عدم الإدلاء بالوثائق المدعمة للتعرض، وعدم إثبات استحالة الإدلاء بها، وهو ما سار عليه المجلس الأعلى سابقا في القرار عدد 480 بتاريخ 09/11/1995
في الملف الإداري رقم 1557/95 6 الذي اعتبر أنه «…..مع التأكيد على الطابع الإداري لكل قرارات الحافظ على الأملاك العقارية، فإن قراراته التي تندرج  في إطار الفصل 32 من ظهير التحفيظ العقاري تخضع قانونا للطعن أمام المحاكم العادية كما ينص عليه الفصل المذكور وان الاختصاص النوعي في النازلة غير منعقد للمحاكم الإدارية»
إلا أنه وبعد تعديل ظهير التحفيظ العقاري وتتميمه بالقانون رقم 07/14 تم حذف الفقرة التي تنص على اختصاص المحاكم العادية، فأصبحت بالتالي المحاكم الإدارية هي المختصة نوعيا بالبت في كل قرارات المحافظ العقاري المتعلقة بالتعرضات، باعتبارها أصلا قرارات إدارية، وهو ما يستتبع ضرورة تقيد الطاعن بكل شكليات وإجراءات التقاضي أمام القضاء الإداري في إطار دعوى الإلغاء، وفي هذا السياق صدر قرار حديث عن محكمة النقض موضوعه الطعن في قرار المحافظ بقبول تعرض سبق للمحكمة الابتدائية أن قضت في المرحلة الأولى للتقاضي بعدم اختصاصها نوعيا للبت فيه، ثم عرض النزاع على القضاء الإداري الذي بت في موضوعه برفض الطلب في جميع المراحل –القرار عدد 144 الصادر بتاريخ 22/01/2015 في الملف رقم 477/4/1/2014 –غير منشور- وتجدر الإشارة إلى أن الطعن يتعلق وينحصر في قرار المحافظ في حد ذاته أما موضوع التعرض، أي الحق المدعى فيه، فيبقى من اختصاص محكمة التحفيظ استقلالا.
 التعرض الاستثنائي
ينص الفصل 29 من ظهير التحفيظ العقاري بعد تعديله وتتميمه بالقانون رقم 07-14 على أنه «بعد انصرام الأجل المحدد في الفصل 27 أعلاه يمكن ان يقبل التعرض بصفة استثنائية من طرف المحافظ على الأملاك العقارية، ولو لم يرد على مطلب التحفيظ اي تعرض سابق، شريطة أن لا يكون الملف قد وجه إلى المحكمة الابتدائية….»
     وأول ما يمكن ملاحظته على الفصل المذكور هو أنه نص صراحة على أحقية المحافظ العقاري في قبول التعرض الاستثنائي دون ربط ذلك بضرورة تقديم تعرضات سابقة على مطلب التحفيظ، واشترط فقط أن لا يكون الملف قد وجه إلى المحكمة الابتدائية، في حين أن الصياغة السابقة للفصل 29 المذكور قبل التعديل أدت إلى ظهور اتجاهين في الفقه : أولهما يتمسك بضرورة وجود تلك التعرضات السابقة على مطلب التحفيظ لتخويل إمكانية فتح أجل جديد للتعرض وهو الاتجاه الذي سايرته محكمة النقض في العديد من قراراتها 7 كالقرار عدد 53 الصادر بتاريخ 19/01/2012 في الملف الإداري رقم 1359/4/1/2010 الذي ورد فيه «لكن حيث أن من شروط تطبيق مقتضيات الفصل 29 من قانون التحفيظ العقاري، كقاعدة استثنائية وقبول المحافظ العقاري التعرض خارج الأجل القانوني المنصوص عليه في الفصل 27 من القانون نفسه، شرط وجود تعرضات سابقة تقتضي إحالة الملف على القضاء، وأن المحكمة لما تبين لها من وثائق الملف عدم وجود تلك التعرضات، واعتبرت تبعا لذلك أن قرار».
رفض فتح أجل جديد للتعرض الصادر عن المحافظ العقاري، في إطار اختصاصه وحدود السلطة المخولة له قانونا مشروعا، تكون قد طبقت الفصل 29 المحتج به تطبيقا سليما، وان نظام التحفيظ العقاري يعتمد على واقعة انقضاء الأجل المقرر لتكايد حق ملكية طالب التحفيظ في حالة عدم وجود تعرضات والوسيلة على غير أساس».
 في حين ينفي الاتجاه الثاني ضرورة توفر الشرط المذكور المستنتج، خاصة، أن القول به سيؤدي إلى تعليق حق المتعرض خارج الأجل على حقوق الأغيار، وسينفي بالتالي الغاية التي من أجلها منح الترخيص الاستثنائي المذكور، إلا أن الفصل 29 بصيغته الجديدة حسم النقاش لفائدة الاتجاه الثاني، غير أنه ألغى الإمكانية السابقة التي كانت مخولة لوكيل الملك لفتح أجل جديد للتعرض بعد إحالة الملف على المحكمة الابتدائية، وحصر الإمكانية المذكورة في المحافظ العقاري دون غيره، لكن ما يجب استحضاره هنا هو أن الفصل 26 من الظهير مازال يعطي لوكيل الملك إمكانية التعرض داخل الأجل القانوني – إلى جانب الأوصياء والممثلين الشرعيين والقاضي المكلف بشؤون القاصرين والقيم على أموال الغائبين والمفقودين- وذلك باسم المحجورين والغائبين والمفقودين وغير الحاضرين، وإذا كنا نتفهم الغاية من التراجع عن تخويل وكيل الملك إمكانية فتح أجل جديد للتعرض توخيا لتوحيد الجهة المختصة بمنح هذه الرخصة الاستثنائية المطيلة للنزاع وحصرها في المحافظ العقاري، باعتباره صاحب الاختصاص الأصيل، فإن دور وكيل الملك كان يخلق نوعا من الحماية الاحتياطية للحقوق المدعى بها والمهددة بالزوال النهائي حال تحفيظ العقار، مما نعتبر معه الصياغة الحالية للفصل 29 بمثابة إنقاص لضمانات المواطن وتركيز للسلطة المذكورة بين يدي المحافظ العقاري.
* رئيس غرفة بمحكمة النقض

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى