النصب والخيانة الزوجية وترويج المخدرات أهم الملفات المعروضة شهدت القاعة رقم 2 بالقطب الجنحي لدى المحكمة الابتدائية بالجديدة، الخميس الماضي، حركية لافتة عقب انقضاء شهر رمضان، حيث بدا الإقبال كثيفا على جلسات غرفة الجنح التلبسية، في مشهد عكس تزايد عدد القضايا المعروضة، وحضورا ملحوظا للمتقاضين وذويهم. وغصت القاعة بالمرتفقين قبل انطلاق المحاكمة، أغلبهم نساء وضحايا، في انتظار عرض ملفات تتعلق أساسا بقضايا النصب، بعدما وجد عدد من الضحايا أنفسهم ضحية عملية نصب كان مدبرها صاحب وكالات أسفار. كما حضرت فئة أخرى من المتابعين الذين اعتادوا مواكبة جلسات الجنح التلبسية، في إطار اهتمامهم بالشأن القضائي المحلي بمدينة الجديدة. الجلسة ترأستها القاضية سناء راكيع وضمت القاضيين خليل لشقار وكريم ريحان، فيما مثل النيابة العامة نائب وكيل الملك سفيان بونونة، بمساعدة بوشعيب المهادي عن كتابة الضبط. وعرفت جلسة يوم الخميس الماضي تقديم عدد من المتهمين في حالة اعتقال، جرى نقلهم تباعا من السجن المحلي بالجديدة، للمثول أمام المحكمة في إطار محاكمات حضورية. وقبيل منتصف النهار بقليل، تكفل أفراد الأمن المكلفون بالتنظيم، سواء عند البوابة الرئيسية للمحكمة أو داخل أروقتها، بتنظيم عملية الولوج إلى القاعة، مع الحرص على تخصيص المقاعد الأمامية لهيأة الدفاع، في احترام للأعراف المهنية المعمول بها داخل فضاء الجلسات. وبعد حوالي عشر دقائق من إعلان انطلاق الجلسة، دق الجرس إيذانا بدخول هيأة الحكم، تتقدمها رئيسة الجلسة وهي تحمل الملفات المبرمجة. وبعد افتتاح الجلسة، دعت رئيسة الهيأة المحامين إلى تزويدها بأرقام الملفات غير الجاهزة، مع منح الأسبقية للمحامين القادمين من خارج الهيأة والنقباء، ثم لأعضاء الهيأة. في المقابل، تراجع المحامون المتمرنون إلى الخلف، مفسحين المجال لزملائهم الأقدم، في مشهد يعكس التراتبية المهنية والاحترام المتبادل داخل القاعة. وكشفت مجريات الجلسة أن عددا مهما من القضايا المعروضة يتعلق بجرائم ترويج المخدرات والأقراص المهلوسة، والخيانة الزوجية. هكذا عكست تلك الجلسة صورة مركبة عن واقع اجتماعي وقضائي متداخل، تتقاطع فيه قضايا المخدرات والعنف والجرائم المالية مع نزاعات أسرية تظل آثارها ممتدة إلى الزوجات والأطفال، الذين وجد بعضهم نفسه حاضرا داخل القاعة، في انتظار كلمة الفصل. وبعد التحقق من هويات المتهمين واحدا تلو الآخر، وتسجيل مؤازرة عدد من المحامين، الذين التمسوا مهلا إضافية لإعداد الدفاع، قررت الهيأة تأجيل البت في بعض الملفات لمدة أسبوع، لعدم الجاهزية أو لغياب محامين من خارج هيأة الجديدة، وسط متابعة لافتة من أقارب المتهمين. كما شهدت الجلسة تأجيل ملفات أخرى مرتبطة بحيازة وترويج المخدرات والأقراص المهلوسة، يتابع فيها جانحون من ذوي السوابق القضائية. ضمير القانون في إطار تتبع قضايا النصب المعروضة أمام القضاء، برز ملف يتعلق بعملية احتيال راح ضحيتها سبعة مواطنين، نساء ورجالا، بعدما سلموا مبالغ مالية لصاحب وكالة أسفار تنشط بين حد السوالم والبئر الجديد، مقابل تمكينهم من أداء مناسك العمرة. وحسب معطيات الملف، فإن الضحايا تقدموا بشكاياتهم بعد طول انتظار وتماطل من طرف المعني بالأمر، خاصة مع انقضاء شهر رمضان دون الوفاء بالوعود المقدمة، ليتبين لهم أنهم تعرضوا لعملية نصب واحتيال. وبتعليمات من النيابة العامة المختصة، تم فتح تحقيق في القضية، حيث استمعت الضابطة القضائية إلى صاحب الوكالة وزوجته. وبعد استكمال الأبحاث، أمر وكيل الملك بإيداع المتهم الرئيسي السجن ومتابعته في حالة اعتقال من أجل جنحة النصب، فيما تقررت متابعة زوجته في حالة سراح بتهمتي النصب والمشاركة. وأثناء مثولهما أمام هيأة الحكم، صرح المتهم بأن المسؤولية تقع على المسير الذي يشتغل معه، معتبرا أنه هو من أخلف التزاماته تجاه الزبناء ولم يوفر الترتيبات اللازمة في الوقت المحدد لأداء مناسك العمرة. في المقابل، نفت زوجته بشكل قاطع أي علاقة لها بالأفعال المنسوبة إليها، مؤكدة براءتها من تهمة النصب على الضحايا السبعة. وخلال الجلسة ذاتها، مثلت أمام هيأة الحكم امرأة في عقدها الثالث، وأم لخمسة أبناء، في حالة اعتقال، تتابَع من قبل وكيل الملك بجنحة الخيانة الزوجية، وذلك على خلفية شكاية تقدم بها زوجها المتحدر من تراب جماعة خميس متوح وفي سياق البحث، أصدرت الضابطة القضائية مذكرة بحث في حق الشخص المشتبه في أنه خليلها، بعد تحديد هويته. وخلال استنطاقها، نفت المتهمة التهم المنسوبة إليها، مؤكدة أن زوجها يسعى إلى الزج بها في السجن بسبب خلافات ومشاكل نشبت بينهما خلال الفترة الأخيرة، كما شددت على عدم وجود أي علاقة تربطها بالشخص المذكور. وقد بدا واضحا أن القاضية سناء راكيع راهنت، في تلك اللحظة، على قوة الكلمة قبل صرامة الحكم، إيمانا منها بأن العدالة لا تختزل في العقاب وحده، بل تمتد لتشمل الإصلاح متى توفرت شروطه. وهو توجه يستحق التنويه والشكر، لما يحمله من حس مسؤول ورؤية تستحضر أن وراء كل ملف إنسانا، ووراء كل متهم قصة قد يكون بالإمكان تصحيح مسارها. المشهد أعاد التذكير بأن منصة القضاء، رغم هيبتها ووقارها، يمكن أن تتحول إلى فضاء يمنح فرصة ثانية، وأن بعض القضاة لا يكتفون بتطبيق النصوص، بل يسعون إلى إيقاظ الضمائر، لعل كلمة صادقة في لحظة حاسمة تكون بداية تحول حقيقي في حياة شاب أنهكته اختيارات خاطئة. ليلة قضائية لم تكن الجلسة عادية بكل المقاييس. فقد عرفت مناقشة سبعة عشر ملفا جاهزا ، مع تأجيل عدد مماثل، في رقم يعكس ثقل القضايا الرائجة وتشعب وقائعها. ومع توالي النداءات وتعاقب المتهمين أمام المنصة، امتدت المداولات لساعات طويلة، لتتواصل إلى حدود منتصف الليل، وسط انضباط واضح وحسن تدبير من هيأة الحكم التي حافظت على نسق الجلسة رغم ضغط الزمن وكثرة الملفات. ولم تخل الجلسة من ملفات مرتبطة بترويج المخدرات، بعد إيقاف عدد من المشتبه تورطهم في ترويج مواد محظورة، من بينها الشيرا والأقراص المهلوسة ومسكر ماء الحياة. وأثناء الاستماع إليهم، اختار أغلب المتابعين نهج الإنكار، رغم مواجهتهم بمحاضر الضابطة القضائية وتصريحاتهم السابقة خلال البحث التمهيدي، في مشهد يعكس التباين المعتاد بين مرحلة البحث وأطوار المحاكمة العلنية. ورغم ثقل الملفات وتعدد القضايا، أبانت الجلسة عن انخراط جاد من مختلف المتدخلين، حيث تمكنت هيأة الحكم من تدبيرها بكفاءة، محافظة على السير العادي للمحاكمة وضامنة لحقوق جميع الأطراف. هكذا أسدل الستار على يوم قضائي طويل، جمع بين صرامة القانون ودفء اللحظات الإنسانية، في مشهد يعكس صورة متكاملة عن العدالة وهي تمارس أدوارها المتعددة. أحمد سكاب (الجديدة)