عبد الواحد كنفاوي الهدر الغذائي في المغرب ليس مجرد "سلوك سيئ"، بل نزيف اقتصادي وبيئي صامت، يطرح تساؤلات حارقة حول جدوى منظومتنا الاستهلاكية في ظل سنوات الجفاف والإجهاد المائي التي يمر منها المغرب. المفارقة العجيبة في المغرب هي أن المواطن يشتكي من غلاء المعيشة، وفي الوقت نفسه يرمي مواد تدعمها الدولة من ميزانيتها، أي من ضرائب المواطنين. عندما يشتري المستهلك عشر خبزات بدرهم و20 سنتيما للواحدة، ويستهلك نصف العدد ويرمي الباقي في القمامة، فإن ذلك يرفع ثمن الخبزة إلى درهمين و40 سنتيما، بالنظر إلى أنه دفع 12 درهما ولم يستهلك سوى خمس خبزات، وعندما يرمي المغربي خبزة، فهو لا يرمي درهما و20 سنتيما، فحسب، بل يهدر، أيضا، مساهمة الدولة التي ساهمت في تثبيت سعر ذلك الخبز، ما يعني ضياعا مزدوجا للمال العام والخاص. وحين يقتني كيلوغراما من الطماطم بعشرة دراهم، ويستهلك نصف الكمية ويلقي بالآخر في القمامة بسبب التلف، فإن الكلفة ترتفع إلى 20 درهما، لأنه أدى 10 دراهم ولم يستهلك سوى نصف كيلوغرام. ويتسبب الاقتناء العشوائي للمواد الغذائية في ضغط على العرض في الأسواق، ما يؤدي إلى رفع الأسعار، وفق قانون العرض والطلب. وهكذا، يساهم المستهلك في رفع الثمن بكثرة الطلب، ثم يرمي جزءا مما اشتراه في القمامة، ما يمثل هدرا اقتصاديا واستنزافا لميزانية الأسر. فإذا كانت أسرة مكونة من أربعة أفراد وتنفق، في المتوسط، 3500 درهم على التغذية، وإذا كانت نسبة الهدر لديها في حدود 20 في المائة، من بقايا طعام وخضر تالفة وخبز، فإن القيمة المالية الضائعة ستكون في حدود 700 درهم، ما يعني خسارة مالية سنوية بقيمة 8400 درهم. هذا المبلغ الضائع كان بالإمكان توفيره، لو تم الاستهلاك بشكل عقلاني، وتوظيفه في تغطية تكاليف الدخول المدرسي أو تأمين السيارة أو قضاء عطلة صيفية، وبذلك يتحول الهدر الغذائي إلى فرص ضائعة لتحسين جودة الحياة. إن محاربة الهدر الغذائي في المغرب أصبحت ضرورة إستراتيجية، نحن بحاجة إلى ثورة وعي تبدأ من المدرسة وتنتهي بتشريعات تمنع التبديد في الفنادق والمساحات الكبرى،على غرار بعض القوانين الأوربية. إن الحرص على عدم ضياع المنتوجات الغذائية هي أقصر طريق لحماية القدرة الشرائية وضمان استدامة مواردنا المائية للأجيال المقبلة. الهدر الغذائي لا يعني ضياع الطعام فحسب، بل تبديد لكل الموارد التي استخدمت لإنتاجه، إذ أن إنتاج كيلوغرام من الخبز يتطلب حوالي 1600 لتر من الماء، ما يعني أن هدر هذه المادة يعني ضياع مئات اللترات من مادة حيوية. التحدي المطروح، حاليا، ليس التوصل إلى كيفية الربح أكثر، بل أصبح البحث عن الطريقة التي تقلص من الهدر، فالفجوة بين دخل المواطن وكلفة العيش لا يمكن ردمها فقط بزيادة الأجور، بل بإعادة هندسة السلوك الاستهلاكي اليومي.