من يحمي المواطن من صدمات الخارج؟ يشكل القرار الأخير للمحكمة الدستورية رقم: 262/26 م.د، القاضي بأن القانون التنظيمي رقم 36.24 القاضي بتغيير وتتميم القانون التنظيمي رقم 066.13 المتعلق بالمحكمة الدستورية «ليس فيه ما يخالف الدستور»، لحظة دستورية تستدعي قراءة أعمق من مجرد الوقوف عند ظاهر النص أو عند تقنية الرقابة الدستورية. فالأمر هنا لا يتعلق فقط بقانون تنظيمي عاد، بل بنص ينظم المؤسسة التي تتولى أصلا حراسة سمو الدستور وضبط الحدود بين السلط، أي المؤسسة التي يفترض فيها أن تكون المرجع الأخير للشرعية الدستورية داخل الدولة. بقلم: ذ. كمال الهشومي * في الأزمنة العادية، تبدو الدولة وكأنها تتحرك داخل إيقاع مؤسساتي مستقر، تدار فيه السياسات العمومية وفق قواعد مضبوطة، وتمارس فيه الاختصاصات في حدودها التقليدية. لكن في لحظات الاختلال الكبرى، كما هو الحال اليوم مع التوترات الجيوسياسية الحادة في الشرق الأوسط وما ينتج عنها من اضطرابات عميقة ومتواصلة في أسواق الطاقة، والتي تضخمت وأصبحت مفتوحة عن المجهول خاصة بعد قصف أماكن تخزين المواد الطاقية للمتنازعين ومن يدور في فلكهم من جهة، ومن جهة أخرى إغلاق أحد أهم شرايين الاقتصاد العالمي وهو «مضيق هرمز»، هنا لا يختبر فقط الاقتصاد، بل يختبر أيضا جوهر الدولة الدستورية ووظيفتها الحقيقية وحدود تدخلها. فالأزمات الدولية، مهما بدت بعيدة جغرافيا، سرعان ما تترجم داخليا إلى وقائع ملموسة، ارتفاع غير مسبوق في أسعار الطاقة، وتضخم في كلفة الإنتاج، وضغط متزايد على القدرة الشرائية، وتنامي مخاطر الاحتكار والمضاربة. وهنا يبرز سؤال دستوري مركزي، هل تكتفي الدولة بمراقبة السوق، أم تتدخل لحماية التوازن الاجتماعي من آثار صدمات لا يد لها، أو ليد المواطن فيها؟ إن الدستور المغربي، في فلسفته العامة، لا يختزل الدولة في دور الحارس الأمني أو المنظم الإداري فقط، بل يمنحها وظيفة أوسع، تقوم على حماية التوازن الاجتماعي وضمان الحقوق الاقتصادية للمواطنين. فتصور دستور 2011، لا يؤسس لدولة متفرجة، بل لدولة ذات وظيفة اجتماعية واضحة. ولم يكتف بتنظيم السلط، بل أقر منظومة من الحقوق الاقتصادية والاجتماعية، وربط بين السلطة والمسؤولية، وبين الشرعية والتضامن. ومن هذا المنطلق، فإن تدخل الدولة في مثل هذه الأزمات لا يعد خيارا سياسيا، بل واجبا دستوريا يمليه منطق الدولة الاجتماعية. غير أن هذا التدخل يطرح إشكالية دقيقة، كيف يمكن للدولة أن تتدخل دون أن تتحول إلى فاعل مهيمن يخل بتوازن السوق، ودون أن تترك في الوقت نفسه المواطن يواجه صدمات مباشرة؟ إن الإجابة عن هذا السؤال تمر عبر إعادة تعريف دور الدولة في زمن الأزمات. فالدولة الدستورية لا تلغي منطق السوق، لكنها لا تسمح أيضا بأن يتحول إلى آلية قاسية تعيد توزيع الأعباء بشكل غير عادل. لذلك فإن وظيفتها الأساسية في هذه اللحظات هي تصحيح الاختلال بتشديد المراقبة والضرب على أيدي من يخالف القواعد، لا إلغاءها. وهنا تظهر أهمية مبدأ دستوري غير مكتوب، وإن لم ينص صراحة الدستور المغربي على «مبدأ العدالة في توزيع الأعباء العامة» بهذه العبارة، فإنه يؤسس له بشكل واضح من خلال الفصول 39 و40، التي تقر مبدأ تحمل التكاليف العمومية حسب الاستطاعة، وفي إطار من التضامن والتناسب. وهي عناصر تشكل في مجموعها الأساس الدستوري لما يسميه الفقه بـ»العدالة في توزيع الأعباء العامة»، باعتبارها أحد أعمدة الدولة الاجتماعية. فالأزمة الطاقية، بطبيعتها، لا تصيب الجميع بالدرجة نفسها. فهي تضرب بشكل أكبر الفئات الهشة والمتوسطة، وتمس بشكل مباشر القطاعات المرتبطة بالنقل والإنتاج والاستهلاك اليومي. ومن ثم فإن تدخل الدولة يجب أن يكون موجها ومضبوطا بل ومبتكرا، حماية للقدرة الشرائية للفئات الأكثر هشاشة، وضبطا لسلاسل التوزيع، ومنعا للمضاربة، وضمانا لاستمرارية التزويد ثم توزيعا لكلفة الأزمة بشكل متوازن بين الدولة والفاعلين الاقتصاديين. لقد أظهرت التجربة المغربية في السنوات الأخيرة قدرة هائلة ومسؤولة وواضحة على تعبئة أدوات التدخل في الأزمات، سواء خلال جائحة كوفيد، أو بعد زلزال الحوز، أو في مواجهة الفيضانات. وقد شكلت هذه المحطات ما يمكن تسميته بـ "الفقه المغربي في تدبير الأزمات"، والذي يقوم على تدخل الدولة بشكل استباقي ومنظم. ولإن كانت الأزمات التي عرفتها الدولة المغربية عبر امتداداتها التاريخية أو تلك القريبة التي أبدعت من خلالها الدولة المغربية داخلية، فإن الأزمة الحالية تختلف في طبيعتها، لأنها أزمة خارجية المنشأ، ومركبة التأثير، وممتدة زمنيا ومفتوحة على اللايقين، ومتصلة مباشرة بأسس الاقتصاد العالمي. وهو ما يجعل من تدخل الدولة أكثر تعقيدا، ويطرح ضرورة الجمع بين النجاعة الاقتصادية والانضباط الدستوري. وفي هذا السياق، لا يمكن إغفال دور المؤسسات في تدبير الأزمة. فالحكومة، باعتبارها السلطة التنفيذية، تتحمل مسؤولية قيادة السياسات العمومية، لكن هذه القيادة يجب أن تتم في إطار من التنسيق المؤسساتي، والشفافية في اتخاذ القرار، والمساءلة السياسية أمام البرلمان. كما أن دور المؤسسة الملكية ثابت دائما، باعتبارها ضامنا لاستمرار الدولة واستقرارها، ويظل حاضرا في لحظات الاختلال الكبرى، بما يضمن وحدة التوجه وحسن سير المؤسسات. لكن، إلى جانب كل ذلك، يظل عنصر حاسم لا يقل أهمية عن التدخل الاقتصادي، وهو إدارة الثقة. فالأزمات لا تهدد فقط التوازنات الاقتصادية، بل تهدد أيضا التماسك الاجتماعي. وحين يشعر المواطن بأن الدولة غائبة أو مترددة، تتحول الأزمة الاقتصادية إلى أزمة ثقة، وهو ما قد يفتح الباب أمام التوترات والنعرات والمضاربات النفسية. ومن هنا، فإن الدولة الدستورية مطالبة ليس فقط باتخاذ قرارات، بل أيضا ببناء خطاب عمومي مسؤول يقوم على الوضوح ويبتعد عن التهويل، وبشفافية دون إثارة الذعر، وبمسؤولية معبرة عن الطمأنة دون إنكار الواقع. ولذلك فإنه لا بد من الوعي الكامل أن قوة الدولة في زمن الأزمات لا تقاس فقط بقدرتها على التدخل، بل بقدرتها على إقناع المجتمع بعدالة هذا التدخل وضرورته. وجدير بالذكر، فانه يجب التنبيه إلى أن الأزمات لا ينبغي أن تتحول إلى مبرر لتوسيع غير مضبوط للسلطة. فالدستور، حتى في زمن الأزمات، يظل المرجع الأعلى الذي يحدد حدود التدخل. ولذلك فإن كل إجراء استثنائي يجب أن يبقى مؤطرا بالقانون ومحددا زمنيا وخاضعا للرقابة ثم قابلا للتقييم، حتى لا يتحول الاستثناء إلى قاعدة. مجمل القول، تكشف هذه اللحظة أن الدولة الدستورية ليست مجرد إطار قانوني، بل هي آلية لحماية المجتمع من الاختلالات الكبرى. فالدساتير لا تعتمد فقط لتنظيم الاستقرار، بل أيضا لتدبير الأزمات. دولة حماية وعدالة واستقرار حين يتكلم الدستور في مثل هذه اللحظات، فإنه يضع الدولة أمام مسؤوليتها الكاملة، أن لا تترك المواطن وحيدا في مواجهة صدمات الخارج، وأن تحمي التوازن الاجتماعي دون أن تمس بروح الشرعية، وأن تثبت أن الدولة الدستورية ليست فقط دولة قانون، بل دولة حماية وعدالة واستقرار. (*) أستاذ القانون الدستوري وعلم السياسة كلية الحقوق اكدال - الرباط