تأخر نقل السجناء لساعات يربك الجلسات الجنائية ويغضب المحامين وأسر المعتقلين تتحول قاعات الجلسات الجنائية بمحكمة الاستئناف بطنجة، في عدد من الأيام، إلى فضاءات للانتظار، بعدما أضحى رفع الجلسات يتكرر باستمرار مع كل يوم قضائي، لينعزل المحامون لمراجعة ملفات موكليهم، بينما عائلات المتهمين تتوزع بين بهو المحكمة ومقاعد قاعات الجلسات في صمت وترقب، في انتظار استئناف جلسات تبقى معلقة لساعات طويلة بسبب عدم وصول المعتقلين من المؤسسة السجنية. وضع يربك سير عدد من القضايا الجنائية، ويؤدي إلى تأجيل ملفات جاهزة للمناقشة، كما يثير تذمر المحامين وعائلات المتقاضين، الذين يظلون داخل أروقة المحكمة أملا في انطلاق الجلسات وحسم ملفات شائكة. إعداد: المختار الرمشي (طنجة)/ تصوير (آيت الرموش) داخل قاعة الجلسات رقم 3 المخصصة للقضايا الجنائية بمحكمة الاستئناف بطنجة، تبدأ الأيام القضائية بإيقاع غير مألوف. فبدل الشروع مباشرة في مناقشة الملفات التي يتابع أصحابها في حالة اعتقال لإرجاعهم إلى السجن في وقت معقول، تجد هيأة الحكم نفسها مضطرة إلى افتتاح الجلسة بالبت في قضايا يتابع أصحابها في حالة سراح، أو بمحاكمة متهمين عن بعد عبر تقنية الاتصال السمعي البصري، في انتظار وصول المتهمين المعتقلين من المؤسسة السجنية. غير أن هذا الحل المؤقت لا يلبث أن يستنفد أغراضه، لتضطر الهيأة إلى رفع الجلسة مؤقتا في انتظار وصول السجناء، حيث يستمر الترقب، في كثير من الأحيان، لساعات طويلة. تذمر وغضب في صفوف المحامين مباشرة بعد الإعلان عن رفع الجلسات، تسود القاعة حالة من الانتظار المرهق. محامون متذمرون يغادرون مقاعدهم، وآخرون يتبادلون الحديث في ما بينهم حول هذه التوقفات المتكررة، التي تتسبب في إرباك برنامجهم المهني وتحتم عليهم قضاء ساعات طويلة داخل المحكمة في انتظار ملفات كان يفترض أن تناقش في موعدها المحدد. وفي هذا السياق، ذكر أنوار الكلافي، المحامي بهيأة طنجة، أن سبب هذه التوقفات لا يرتبط بعمل المحكمة بقدر ما يعود إلى تأخر نقل المعتقلين من المؤسسة السجنية "طنجة 2" إلى محكمة الاستئناف. وأبرز أن هذا الوضع يؤدي إلى ارتباك واضح في سير الجلسات الجنائية، ويقود في عدد من الحالات إلى تأجيل ملفات جاهزة للمناقشة، رغم أن أصحابها يتابعون في حالة اعتقال. وقال الكلافي لـ"الصباح" إن "المحكمة، تضطر إلى تغيير جدول البت في الملفات المدرجة، وتلجأ، في كثير من الأحيان، إلى تعليق المحاكمات اضطراريا بسبب عدم توفرها على توقيت مضبوط لوصول السجناء لقاعة الجلسات. وهذا الوضع، يضيف الكلافي، "يؤدي إلى إطالة أمد المحاكمات وتعقيد أوضاع المعتقلين، فضلا عما يسببه من ارتباك لدى هيأة الدفاع، ومعاناة عائلات المتهمين التي تتنقل من مدن أخرى مجاورة وتضطر إلى انتظار ساعات طويلة لتتبع أطوار الجلسات". وأكد الحقوقي في حديثه أن أسباب هذه الاختلالات لا ترتبط بعمل المحكمة أو برمجة الجلسات، بل تعود بالدرجة الأولى لإدارة السجون ومصالح الدرك الملكي، باعتبار أن عملية نقل المعتقلين تدخل ضمن اختصاصها. وشدد على ضرورة التنسيق وإحداث جسور التواصل بين كل المتدخلين لدعم فعالية الجهاز القضائي وتحقيق النجاعة المرجوة. معاناة وانتظار مرهق للعائلات هذا الوضع يخلف امتعاضا بالغا لدى عدد من أفراد عائلات المعتقلين، خاصة أولئك الذين يتنقلون من مدن مجاورة مثل العرائش والقصر الكبير لتتبع أطوار محاكمة أبنائهم وذويهم، بعضهم يغادرون منازلهم في ساعات الصباح الأولى على أمل الوصول في الوقت المناسب، إلا أنهم يجدون أنفسهم مضطرين إلى الانتظار لساعات طويلة داخل فضاءات المحكمة وبجوارها، بعد أن يتعذر عليهم الحصول على جواب واضح حول موعد بداية الجلسة. وأكد عدد من هؤلاء لـ "الصباح" أن تأخير البت في ملفات ذويهم يفاقم من معاناتهم المادية والنفسية، بسبب تنقلاتهم المتكررة وقطعهم مسافات طويلة للوصول إلى طنجة، وتساءل أحدهم: كيف يعقل أن يؤجل الملف عدة مرات ويبقى المتهم رهن الاعتقال؟ فأين هي شروط المحاكمة العادلة في مثل هذه الحالات؟.بينما ذكر آخر أن هذا التأخر يؤدي إلى إطالة أمد المحاكمات، ويلحق ضررا بأفراد عائلات المتهمين الذين ينتظرون حسم ملفات ذويهم في آجال معقولة. وصول متأخر ومشاهد مؤسفة بعد ساعات طويلة من الانتظار، الذي يرهق هيأة الحكم والدفاع معا، وكذا عائلات السجناء التي تظل تترقب على أحر من الجمر انطلاق الجلسات، تحل بالشارع المجاور للمدخل الخلفي للمحكمة عربتان تابعتان للدرك الملكي، وعلى متن كل واحدة منهما عدد من المعتقلين، وهي الدفعة الأولى للسجناء القادمين من السجن المحلي طنجة 2، الذين حلوا بعد انتظار مرهق ظلت خلاله قاعة الجلسات فارغة لساعات طويلة. وعند وصول العربتين،حوالي الساعة الواحدة زوالا، تكفلت فرق الدرك الملكي بمساعدة عناصر من الشرطة بإنزال السجناء مكبلين بالأصفاد، أمام أنظار أسرهم وعائلاتهم وعدد من الفضوليين، الذين تجمعوا بالمكان لالتقاط صور لهذه المشاهد المؤسفة، التي لا تخلو من ألم وجروح بالغة، قبل أن يتدخل رجال الأمن لتحذيرهم ومنعهم من ذلك، انسجاما مع ما تفرضه كرامة المعتقل واحترام حقوقه. ولا تنتهي معاناة المعتقلين عند لحظة وصولهم إلى المحكمة، إذ يتم اقتيادهم مباشرة إلى الغرفة المخصصة لهم داخل المرفق القضائي، حيث يظلون في كثير من الأيام متكدسين لساعات طويلة في انتظار عرض ملفاتهم على هيأة الحكم، إلا أن هذا الانتظار يتحول في مناسبات متعددة إلى محنة حقيقية، حين يقضي بعضهم أزيد من اثنتي عشرة ساعة داخل غرفة ضيقة دون أكل أو شرب، في ظروف تثير الكثير من الأسى، ولا تنسجم مع الحد الأدنى من الكرامة الإنسانية، لما تحمله من إرهاق جسدي ونفسي للمعتقلين. إكراهات نقل المعتقلين من السجن في تفسيره لتأخر وصول المعتقلين إلى محكمة الاستئناف بطنجة، ربط مصدر من داخل السجن المحلي طنجة 2 هذا الوضع بعدد من الإكراهات اللوجستيكية، خاصة خلال الشهور الأخيرة التي عرفت فيها المنطقة الشمالية تساقطات مطرية غزيرة أدت إلى ارتفاع منسوب مياه سد سبت الزينات، التي غمرت المحيط الخارجي للمؤسسة السجنية، وتسببت في أضرار بالقنطرة والمنشآت المؤدية إلى الطريق الرئيسية، الأمر الذي وقف حاجزا أمام وصول حافلات الدرك الملكي، التي كانت تتكفل بنقل السجناء دفعة واحدة. وأوضح المصدر ذاته أن هذه الظروف فرضت الاستعانة بسيارات خفيفة لنقل المعتقلين، وهي سيارات لا تتسع لأكثر من خمسة عشر معتقلا في كل رحلة، ما يجعل عملية النقل تتم على دفعات، مبرزا أن عدد العربات المخصصة لهذه العملية لا يتعدى ثلاث عربات فقط، واحدة مخصصة للمحكمة الابتدائية واثنتان للاستئنافية، وهو ما يفرض نقل المعتقلين على مراحل. كما تطرق المصدر لإكراهات البعد بين المؤسسة السجنية، التي تقع بمنطقة عين الدالية ضواحي طنجة، ومحاكم المدينة، مشيرا إلى أن المسافة تصل إلى نحو عشرين كيلومترا، مع صعوبة الطريق، من حيث التضاريس والمنعرجات، وهو ما يؤدي إلى تأخر المتهمين المعتقلين وعدم حضورهم في الوقت المحدد. ونوه المصدر باعتماد جلسات المحاكمة عن بعد باستعمال تقنية التناظر المرئي، معتبرا أنها أثبتت نجاعتها خلال فترة جائحة "كورونا"، حين مكنت من استمرار عمل المحاكم في ظروف مناسبة ودون تعطيل، وساهمت في تقليص إكراهات نقل المعتقلين بين المؤسسات السجنية والمحاكم.وشدد على ضرورة اعتماد هذه الآلية في مراحل تجهيز الملف وإعداد الدفاع، لتخفيف الضغط على وسائل النقل المحدودة والحد من التأخيرات التي تعرفها بعض الجلسات، وضمان استمرارية المرفق القضائي وصون مصالح المتقاضين. العدالة الناجزة على المحك أكد عدد من المهتمين بالشأن القضائي بطنجة أن إشكالية تأخر وصول المعتقلين إلى محكمة الاستئناف ليست وليدة الساعة، بل تعتبر من بين المشاكل المزمنة التي تعاني منها محاكم المدينة، مبرزين أن هيأة المحامين سبق أن استنكرت في مناسبات عديدة هذه التأخيرات، خاصة بعد افتتاح المؤسسة السجنية الجديدة "طنجة 2" ونقل السجناء إليها، إذ منذ ذلك الحين، يقول المهتمون، أصبحت أغلب الجلسات الجنائية تشهد ارتباكا واضحا أدى إلى إطالة أمد البت في قضايا يتابع أصحابها في حالة اعتقال. ويرى مستشار قضائي متقاعد، اشتغل لأزيد من عشر سنوات بمحكمة الاستئناف بطنجة أن مثل هذه الإكراهات ليست جديدة على العمل القضائي، إذ سبق أن واجهتها المحاكم في فترات سابقة، غير أنها تطرح اليوم بإلحاح أكبر في ظل تزايد عدد القضايا المعروضة على القضاء. وقال المستشار في لقاء مع "الصباح"، إن "التأخر المتكرر في وصول المعتقلين إلى قاعات الجلسات لا يقتصر أثره على إرباك البرنامج اليومي للمحكمة، بل ينعكس أيضا على مبدأ أساسي من مبادئ المحاكمة العادلة، يتمثل في حق المتهم في أن يحاكم داخل أجل معقول، خصوصا أن هذا المبدأ يجد أساسه في الدستور المغربي وفي عدد من المواثيق الدولية التي صادق عليها المغرب، والتي تشدد على ضرورة البت في القضايا داخل آجال زمنية معقولة، خاصة بالنسبة للمتابعين في حالة اعتقال احتياطي. وأوضح المستشار القضائي أن ضمان السير العادي للجلسات الجنائية لا يرتبط فقط بعمل هيآت الحكم داخل قاعات الجلسات، بل يقتضي مقاربة تنظيمية أكثر شمولا،تقوم على تعزيز التنسيق بين مختلف المتدخلين، خاصة المحاكم والمندوبية العامة لإدارة السجون وإعادة الإدماج ومصالح الدرك الملكي المكلفة بعملية النقل، لتحقيق التوازن بين متطلبات الأمن واحترام حقوق المتقاضين وتكريس مبادئ العدالة الناجزة. وبخصوص إنزال السجناء بالشارع العام وسط حشود من المواطنين، عبر المستشار عن رفضه التام لهذا التعامل المطيح بالكرامة الإنسانية، مشددا على ضرورة إصلاح وتوسيع الممر المخصص لإدخال المعتقلين، لتتمكن العربات من الولوج في ظروف مريحة، مشيرا إلى أن ذلك لا يتطلب ميزانية كبيرة بقدر ما يتطلب إرادة مسؤولة، تضمن نقل المعتقلين في ظروف أكثر تنظيما واحتراما لكرامتهم.