يوسف الساكت لا حدود للأرزاق التي قد تأتي، أحيانا، من جثة متحللة في قبر، من كفن، وتابوت وجنازة. من مقبرة شاحبة مرمية على أطراف مدينة، أو "روضة" منسية في جنبات قرية، تحلق فوق سمائها أسراب الغربان. أكثر من ذلك، هناك من يعتقد أن رزقه ينطلق في الثانية نفسها التي تطلع فيها الروح إلى باريها، بل هناك دعوة شهيرة لحفاري القبور يرددون فيها "يا ربي للي فيه رزقي فنيه"، أي يطلبون من الله أن يعجل بنهاية كل شخص يحتمل أن تطلع من وراء وفاته بركة ورزق. أما "مي فاطمة"، مغسلة النساء المتوفيات بمستشفى عمومي، فلا تفرج عن ابتسامة عريضة تكشف عن نابين مغلفين بالذهب، إلا بعد أن تتأكد أنها انتهت من تغسيل وتكفين ثلاثة أجساد، على الأقل، في اليوم. وحين تقل "الحركة"، تتكوم "مي فاطمة" على نفسها حزينة في زاوية قرب مستودع الأموات، وتقول لك حين تسألها: "القضية واقفة أولدي... الله يجيب شي رزق". في المناسبات الدينية، وتحديدا في اليوم الموالي لليلة القدر، هناك أرزاق أخرى مصدرها الأموات، إذ تتحول المقابر إلى ملاذات لأطياف من المتسولين، يحجون إليها في وقت مبكر لحجز أماكنهم، مثلهم مثل بائعي قراطيس الشموع الملفوفة في ورق أزرق (يشبه ورق سكر القالب) وأكياس بخور رديء، وقناني خضراء لماء الزهر (يقال إنها قناني جعة يعاد استعمالها)، وفواكه جافة أخرى، أشهرها التين المجفف "الشريحة"، من النوع الذي تسكنه ديدان صغيرة. معرض شاسع من المهن والمعروضات والخدمات والبضائع يستقر في وقت مبكر من الصباح، ويستمر إلى ساعات متأخرة من الظلام، حيث يبدأ "الحساب" وتوزيع الغنائم، وما تصحبه عادة من شجارات، تنتهي بتلك الجملة الشهيرة "غادي تسكت ولا غادي نصيفط مك عندهم"، يقصد الأموات. ومن أجل الأحبة والمفقودين والراحلين، لا ثمن محدد لكل ما يباع ويعرض أمام المقابر، ولا قيمة لما يعطى في سبيل إتمام زيارة مقبولة عند الله، إلى قبر أم، أو أب، أو ابن اختاره الله عنده في ريعان شبابه. فكلما اعتصر القلب وفاضت الأحاسيس دموعا وزحف اللون الأحمر على أرنبة الأنف، كلما طارت تجارة المقابر فرحة، أو انتعش "بزنس الموت"، الذي يعتبر قطاع تشغيل واعدا ومستقطبا، ربما لا تنتبه إليه الحكومة ومندوبية التخطيط. ويشكل "المتسولون" الفئة الأكثر احتكارا للفضاءات المقابلة للمقابر، وقد يتحولون في أي لحظة إلى وسطاء لحمل الدعوات من الزوار إلى السماء السابعة، ويفعلون ذلك بثقة كبيرة في النفس، رغم أن طالب "الدعوة" قد يكون نزل للتو من سيارة ثمنها نصف مليون درهم. أي "كلشي كيمثل على كلشي".