رمضان طنجة... نكهة خاصة7 رمضان طنجة تتبدل فيه ملامح المدينة، وتتصاعد المفارقات. ففي الوقت الذي تمتلئ المساجد في ليالي التراويح، تضيق المقاهي والنوادي برواد السهر، فتختلط العبادة باستهلاك الممنوعات، ويجاور التضامن إغراءات لا تعترف بقدسية الشهر. وللاقتراب أكثر، تفتح «الصباح»، نافذة على روح رمضان كما تعيشه المدينة، بنوره وظلاله. إنجاز: المختار الرمشي (طنجة) مقاه ومطاعم وأسواق وسيارات الأجرة أكبر المستفيدين من ليالي رمضان إذا كانت ليالي رمضان في طنجة تكشف عن مفارقات واضحة بين امتلاء المساجد بالمصلين الباحثين عن السكينة، وازدحام المقاهي والفضاءات المغلقة بعشاق السهر، فإن وجها آخر من هذه المفارقات يتجلى في الحركية الاقتصادية التي تنبعث في شوارع المدينة بعد الإفطار. فمع حلول الليل، تتحول شوارع وأسواق طنجة إلى فضاءات نابضة بالحركة، وتنتعش المقاهي والمطاعم والباعة المتجولون، فيما تزدحم الواجهات البحرية بالمتنزهين، في مشهد يجعل من الليل الرمضاني موسما حقيقيا لرواج تجاري مميز. فما إن تنتهي صلاة التراويح حتى تبدأ الشوارع الرئيسة وكورنيش المدينة في استعادة إيقاعها المعتاد، إذ تمتلئ المقاهي برواد السهر الذين يقصدونها لقضاء ساعات طويلة في تبادل الأحاديث واحتساء الشاي والقهوة، فيما تقصد العائلات والشباب الواجهة البحرية المطلة على الشواطئ الأطلسية والمتوسطية، وتتحول هذه الفضاءات إلى نقاط لقاء يومية تجمع الأصدقاء بعد يوم طويل من الصيام، إذ بين طاولات الشاي وأكواب القهوة، تنبعث حركة تجارية نشطة يستفيد منها أرباب المقاهي والنادلون والعاملون في هذا القطاع، الذين يعتبر كثير منهم أن شهر رمضان يشكل إحدى أفضل فترات السنة من حيث الإقبال. ولا يقتصر هذا الرواج الليلي على المقاهي فقط، بل يمتد أيضا إلى المطاعم التي تعرف بدورها حركة غير معتادة خلال هذا الشهر الفضيل. فبعد الإفطار بساعات قليلة، تبدأ قاعات عدد من المطاعم في استقبال زبناء جدد يقصدونها لتناول وجبات خفيفة أو أطباق تقليدية، فيما تفضل بعض العائلات تمديد سهراتها حول موائد الطعام إلى ما بعد منتصف الليل. حيث يتحول الليل الرمضاني في طنجة إلى دورة اقتصادية متواصلة لا تهدأ إلا قبيل السحور. وعلى الأرصفة المجاورة للكورنيش وبعض الساحات العمومية، يظهر وجه آخر من اقتصاد الليل في المدينة. فهناك تنتشر عربات صغيرة لبيع الذرة المشوية والمكسرات والعصائر وبعض المأكولات الخفيفة التي يقبل عليها المتنزهون خلال جولاتهم الليلية. كما يجوب باعة متجولون المكان حاملين سلال الحلوى أو أكواب الشاي الساخن، في مشهد يعكس كيف يجد كثير من هؤلاء في ليالي رمضان فرصة لتحسين دخلهم اليومي، مستفيدين من تجمع العائلات والشباب الذين يفضلون قضاء جزء من الليل في الهواء الطلق. في موازاة هذا الانتعاش الليلي الذي تعرفه المقاهي والمطاعم والفضاءات المفتوحة، تنتعش أيضا حركة النقل داخل المدينة. فخلال ليالي رمضان تشهد سيارات الأجرة الصغيرة والكبيرة إقبالا متزايدا مع تنقل السكان بين الأحياء لقضاء السهرات الرمضانية أو زيارة الأقارب والأصدقاء، حيث تظل الشوارع الرئيسية في طنجة تعج بحركة السيارات، في صورة تعكس كيف يتحول الليل خلال هذا الشهر الفضيل إلى زمن اقتصادي خاص تستفيد منه فئات متعددة من المهنيين. هكذا يكشف الليل الرمضاني في طنجة عن مفارقات تعيشها مدينة لا تنام، إذ في الوقت الذي تمتلئ فيه المساجد بالمصلين الباحثين عن السكينة، تتحول شوارع المدينة إلى فضاءات لرواج تجاري يمتد إلى ساعات متأخرة من الليل، تبدو فيه طنجة كأنها تعيش زمنين مختلفين في آن واحد: زمن روحاني يتجلى في بيوت الله، وزمن اجتماعي واقتصادي لا يهدأ إلا قبيل السحور. وفي هذا التعايش بين التعبد وضجيج الحياة الليلية، تتجلى مرة أخرى خصوصية المدينة التي اعتادت أن تعيش رمضانها بإيقاعات متعددة ووجوه لا تتشابه دائما.