بقلم: ذ. كمال الهشومي * كما في فترات زمنية سابقة، لم يعد النقاش الدستوري في المغرب، في الآونة الأخيرة، نقاشا تقنيا يقتصر على حدود القراءة القانونية للنصوص، بل أصبح نقاشا علميا وعموميا مفتوحا حول حدود سلطة القاضي الدستوري في تفسير الدستور وتأويله. وقد ازداد هذا النقاش حدة مع القرارات الأخيرة للمحكمة الدستورية المتعلقة ببعض القوانين التنظيمية، سواء تلك التي أجازتها أو تلك التي صرحت بعدم مطابقتها للدستور، وهو ما أعاد إلى الواجهة سؤالا قديما في الفقه الدستوري: هل يكتفي القاضي الدستوري بحراسة النص، أم أنه يشارك في صناعة معناه؟ في هذا السياق يأتي العمل العلمي الرصين للباحث الأستاذ محمد أتركين حول «دستور صنعة القضاة: النظرية الأصلية والدستور الأصلي»، ليعيد طرح هذه الإشكالية من زاوية نظرية عميقة، مستحضرا الجدل الفقهي الذي عرفه الفكر الدستوري المقارن، خاصة في التجربة الأمريكية، بين اتجاهين رئيسيين: اتجاه متحمس لدور القاضي في تطوير المعنى الدستوري عبر التأويل، واتجاه محافظ يرى أن توسع القاضي في التفسير قد يقوده إلى تجاوز وظيفته الأصلية. فالاتجاه الأول يعتبر أن النص الدستوري لا يمكن أن يعيش إلا عبر التأويل، وأن القاضي الدستوري، بحكم موقعه داخل النظام الدستوري، يصبح فاعلا في إنتاج المعنى الدستوري. أما الاتجاه الثاني، وهو اتجاه أكثر تحفظا، فينطلق من فكرة أساسية مفادها أن وظيفة القاضي الدستوري ليست صناعة الدستور بل حراسته، وأن أي توسع في التأويل قد يحول القاضي من حكم على دستورية القوانين إلى فاعل في العملية التشريعية نفسها. ومن هذا المنطلق، يثير النقاش المغربي اليوم تساؤلات مشروعة حول حدود الاجتهاد القضائي الدستوري. فالقاضي الدستوري في النظام الدستوري المغربي أوكلت إليه مهمة محددة تتمثل في الرقابة على مطابقة القوانين للدستور، وهي مهمة دقيقة تتطلب اجتهادا قانونيا رفيعا، لكنها تظل محكومة بحدود النص الدستوري ذاته. ذلك أن التحول من الرقابة على الدستورية إلى بناء معان دستورية جديدة خارج النص قد يطرح إشكالا يتعلق بطبيعة وظيفة المحكمة الدستورية نفسها. فالمحكمة الدستورية ليست سلطة تشريعية ثانية، وليست فضاء لإعادة كتابة الدستور عبر التأويل، بل هي مؤسسة حارسة للوثيقة الدستورية، ومهمتها الأساسية هي ضمان احترام سمو الدستور والحفاظ على التوازن بين السلط. ولذلك فإن إمكانية توسع القاضي الدستوري في التفسير إلى درجة قد تخرجه من حدود النص قد يؤدي إلى إرباك هذا التوازن الدقيق الذي يقوم عليه البناء الدستوري. ومن جهة أخرى، فإن الاستناد المفرط إلى التجارب المقارنة في تفسير النصوص الدستورية قد يثير بدوره إشكالات منهجية، لأن كل نظام دستوري يرتكز على خلفية تاريخية ومؤسساتية خاصة. فالدستور المغربي ليس مجرد نص قانوني معزول، بل هو تعبير عن مسار تاريخي ودستوري خاص، وعن توازنات مؤسساتية تشكلت داخل سياق سياسي ودستوري متميز. ومن ثم فإن القاضي الدستوري المغربي مطالب، وهو يمارس وظيفته، بأن يستحضر هذه الخصوصية وأن يظل وفيا لروح الدستور المغربي ومنطقه الداخلي. إن قوة القضاء الدستوري لا تقاس بمدى توسع سلطته في التأويل، بل بقدرته على حماية الدستور دون أن يحل محل المشرع. فحين يحافظ القاضي الدستوري على هذا التوازن الدقيق بين الاجتهاد واحترام حدود النص، فإنه يضمن في الوقت نفسه استقرار النظام الدستوري وثقة الفاعلين في مؤسسة التحكيم الدستوري. ومن ثم فإن الإشكالية التي تفرض نفسها اليوم ليست فقط: إلى أي حد يمكن للقاضي الدستوري أن يؤول النص؟ ولكن أيضا: كيف يمكن أن يمارس هذا التأويل دون أن يتحول إلى سلطة منشئة للقاعدة الدستورية؟ والجواب عن هذا السؤال يظل رهينا بوعي دستوري عميق بدور القضاء الدستوري، وبضرورة التوفيق بين أمرين متلازمين، الاجتهاد القضائي من جهة، واحترام حدود النص الدستوري من جهة أخرى. فحين يتحقق هذا التوازن، يبقى القاضي الدستوري وفيا لمهمته الأصلية: حراسة الدستور لا إعادة كتابته. حين يتكلم الدستور في مثل هذه اللحظات الدقيقة، فإنه لا يذكرنا فقط بسمو قواعده، بل يذكرنا أيضا بحدود الأدوار داخل هندسة الدولة الدستورية. فالقاضي الدستوري، وهو يمارس اجتهاده في تفسير النصوص، يظل محكوما بغاية أعلى هي صيانة الدستور لا إعادة صياغته، وحماية توازن السلط لا إعادة توزيعها. لذلك فإن قوة العدالة الدستورية لا تقاس بمدى اتساع سلطة التأويل، بل بقدرتها على البقاء وفية لمنطق الدستور وروحه، حتى يظل النص الدستوري المرجع الأعلى الذي يحتكم إليه الجميع، وتبقى المحكمة الدستورية الحارس الأمين عليه دون أن تتحول، بفعل التأويل، إلى سلطة تكتب ما يفترض أنها تحرسه. (*) أستاذ القانون الدستوري وعلم السياسة كلية الحقوق اكدال - الرباط