ياسين قُطيب لم يستبعد المشرع الأبعاد الوقائية للأحكام الزجرية لمدونة السير على الطرق، مؤكدا أثر الأحكام في ترشيد السلوك على الطرق بما يتناسب مع الأدوار التي يضطلع بها القضاء في تعزيز الأمن الطرقي من خلال التطبيق الصارم للقانون، وتعزيز ثقافة استعمال الطريق. وتعد حوادث السير قضية اجتماعية شاملة تتجاوز الأبعاد القانونية والأمنية، لتشكل عبئا اقتصاديا ونفسيا ثقيلا على الدولة والمجتمع، بالنظر إلى ما تخلفه من خسائر بشرية ومادية جسيمة، وعاهات مستديمة، ونزاعات قانونية، وآثار نفسية، ما يحتم تعزيز الوعي الجماعي والالتزام المجتمعي بقوانين السير وقواعد السلامة الطرقية، لحقن دماء مستعملي الطريق. ويجب أن يساهم القضاء في ترشيد السلوك الطرقي من خلال تطبيق نصوص المدونة وتفسيرها، وسد ثغراتها وتجاوز النقص الذي قد يعتريها لمسايرة التطور الاجتماعي، إضافة إلى ضمان استقرار الأمن الطرقي وتحقيق الردع وحماية حقوق الضحايا، واضعا في الاعتبار أن الأبعاد الوقائية للأحكام الزجرية في مدونة السير تستهدف مصالحة المغاربة مع الطرق، والحد من حوادث المرور عبر تشديد العقوبات من خلال الغرامات وسحب النقاط، وإلزامية الدورات التربوية والتكوينية لتغيير سلوك السائقين. لا يمكن السير على منوال تجويد السلامة الطرقية إلا عبر بوابة العدالة الذكية، إذ أضحى لزاما استثمار الذكاء الاصطناعي لضمان دقة الاثبات وسرعة البت، باعتبار أن عصرنة القضاء هي صمام الأمان لتحقيق الردع الآني وضمان تكافؤ الفرص أمام القانون، مع الانتباه إلى أنه لم يعد مقبولا الركون إلى الوسائل التقليدية. ولا ترتبط معضلة حوادث السير فقط بالقوانين أو بصرامة الردع، بل بثقافة استعمال الطريق وتمثل الذات والآخر أثناء السياقة، فقد يتخلى السائق خلف المقود عن صفته المهنية أو الاجتماعية ليتحول إلى سائق عاد تحكمه تصورات خاصة حول السرعة والقوة. لذلك وجب إشراك علماء الاجتماع وعلم النفس إلى جانب القضاة ومختلف المتدخلين الميدانيين لمعالجة هذه الظاهرة المركبة، في أفق تكثيف الجهود الكفيلة بالمساهمة في التعبئة وفتح فضاء المحاكم لتسليط الضوء على أهمية التحسيس بالسلامة الطرقية. ولابد من فتح نقاش عمومي و متخصص تتسع محاوره لتشمل التأويل الزجري لنصوص مدونة السير، و واقع تطبيق مدونة السير على الطرق وأثره على السلامة الطرقية، إضافة إلى دور الاجتهاد والعمل القضائي في تكريس السلامة الطرقية، وسيكولوجية السائق وآليات تدخل المديرية العامة للأمن الوطني في تدبير حوادث السير، خاصة في ما يتعلق بالجوانب القانونية والتقنية. ياسين قُطيب