المغرب... أصل العالم5 في خضم النقاش حول الهوية الذي احتدم بقوة على مواقع التواصل الاجتماعي، وحدوث نوع من التعسف من كلا الفريقين المتصارعين في الاستناد إلى الأدلة العلمية والبحث الأثري، تحاول هذه الحلقات مع الدكتور عبد الجليل بوزوكار، مدير المعهد الوطني لعلوم الآثار والتراث إعادة النقاش حول الهوية إلى جادة الصواب، ومنع أي تعسف في تفسير دراسة علمية حسب الأهواء والنزعات الإيديولوجية، ورسالة في الوقت نفسه إلى كل المشككين، أن المغاربة هم الأصل، ومن هذه الأرض الطيبة انطلقوا منذ آلاف السنين صوب باقي دول العالم وليس العكس. مصطفى لطفي من أرضنا انطلقت الهجرات وفيها تمت اكتشافات أثرية غير مسبوقة نحن نمثل السكان المحليين، وعنصر إفريقي قديم جدا. فإفريقيا عرفت ثورة في ظهور الإنسان والثقافات، قبل أن يقسم الإنسان إلى مجموعات بشرية وتطلق عليها أسماء. المغرب كان فضاء مفتوحا على الجنوب والشرق والشمال، وهذا ما شجع على العديد من الهجرات والتحركات البشرية. يثير البعض، في خضم النهضة التي يشهدها علم الآثار المغربي والاكتشافات غير مسبوقة في تاريخ البشرية، أسئلة مشككة، تحاول التنقيص من المغرب، من قبيل لماذا لم نعثر على آثار حضارات متطورة ومدن كبرى من قبيل بابل مثلا. بالنسبة إلي، الحديث يجب أن يقتصر على القيمة العلمية والأثرية لما عثرنا عليه في بلادنا، وهنا أطرح بعض الأسئلة، هل هناك مكان في العالم عثر فيه على حلي بعمر 150 ألف سنة، بذاك الشكل من الإتقان والقدم، وفي مواقع متعددة؟ طبعا لا. وهل تمت في منطقة ما في العالم، عملية جراحية ناجحة في الرأس منذ 15 ألف سنة، وتأكد حاليا، أنها تمت باستعمال أعشاب طبية أوقفت النزيف وأسكنت الألم. هل هناك بقعة في العالم استطاعت أن تمارس الاستقرار المبكر جدا؟ لأن الاستقرار، هو الفهم العميق للإنسان لمجاله، واستغلاله سواء من ناحية الثروة الحيوانية والنباتية وبشكل معقلن. ومثال على ذلك، وجود احترام خاص للطبيعة منذ ذلك التاريخ القديم، ففي دراسة دكتوراه أنجزها طالب مغربي، ناقشها في إسبانيا، شدد على أن إنسان تافوغالت، اعتمد على الأغصان لإشعال النار، وأنه كان ينتقي الميتة منها فقط، من خلال ظهور علامات التسوس عليها، فأي تقدير هذا للطبيعة، وفي تلك الحقبة الغابرة؟ بل الأكثر من ذلك، فالاستعمال الطبي للنباتات، ما زال مستمرا منذ تلك الفترة وإلى اليوم بأغلب مناطق المغرب. وفي سوس هناك استعمال مكثف لنبتة شهيرة تستعمل في الطب التقليدي لعلاج الجروح والربو ووقف النزيف، تبين أن إنسان تافوغالت كان يستعملها منذ 15 ألف سنة. يرى البعض أن معيار الحضارة هو البنيان والقصور وغيرها، وهذا أيضا موجود بالمغرب، والدليل مدينة وليلي، فهي بنيت على أنقاض مدينة أقدم منها، والأمر نفسه للكسوس، فهي مدينة مغربية قديمة رغم وجود آثار تخص الفينيقيين فيها، وإن كان الحضور الفينيقي في المدينة، يثير جدلا كبيرا، لرفض البعض المهتمين هذا الطرح، لكن حسب متخصصين، ساد الاعتقاد أن نوعا من الفخار عثر عليه في المدينة صناعة محلية صرف، لكن تبين أنه يوجد أيضا لدى الفينيقيين. من وجهة نظري، لا يجب أن يثير هذا النقاش أي إشكال، وأن يكون هناك تصالح مع الذات، بدل التعصب الذي قد يسيء للبحث العلمي من كلا الطرفين، من قبيل هناك من يدعي أن الفينيقيين من جلبوا الزراعة إلى المغرب، إلا أن الاكتشاف الأثري بوادي بهت، كذب هذا الطرح وكشف عن آثار وفضاءات للزراعة، وأن المغاربة القدماء أول من اشتغلوا فيها منذ ستة آلاف سنة، أي قبل ظهور الفينيقيين بقرون، كما عثر في كهف في تطوان على حبوب القمح، أرجعتها جامعة أكسفورد البريطانية إلى 6300 سنة قبل الميلاد إلا أن هذا لا يعني عدم وجود اتصال مباشر بين المغاربة والفينيقيين وقتها.