علامات "التنين الصيني" تسحب البساط من تحت أقدام ماركات أوربية تسيدت المشهد لعقود لم يعد مشهد السيارات الصينية في شوارع المغرب مجرد حالات استثنائية أو خيارات معزولة، بل تحول إلى ظاهرة اقتصادية تفرض نفسها بقوة بلغة الأرقام وحقيقة الواقع. واستطاعت علامات "التنين الصيني"، في ظرف سنوات قليلة، أن تكتسح السوق، منتقلة من حصة هزيلة إلى لاعب محوري يهدد العروش التاريخية للعلامات الأوربية، خاصة الفرنسية والألمانية. لطالما كان المغرب "محمية" للسيارات الأوربية، حيث سيطرت علامات مثل "رونو"، داسيا، و"بوجو" على أكثر من 70 في المائة من حصص السوق لعقود. وكشفت تقارير جمعية مستوردي السيارات بالمغرب عن تحول عميق في سوق السيارات بالمغرب، إذ لم تعد العلامات الصينية موجة عابرة، بل وصلت إلى السوق بالمغرب واستوطنت به وأصبحت توسع حصتها سنة بعد أخرى. تقدم "الصباح" أهم تجليات هذا التحول والأسباب التي جعلت ثقة الزبون المغربي تتزايد تجاه المركبات القادمة من الصين على حساب العلامات الأوربية التي تسيدت السوق لسنوات عبد الواحد كنفاوي / تصوير:(عبد اللطيف مفيق) حصة السوق... نمو مضاعف تشير المعطيات الإحصائية الأخيرة إلى أن حصة السيارات الصينية في المغرب قفزت بشكل مذهل، إذ انتقلت حصة العلامات الصينية مجتمعة من أقل من 1.5 في المائة، خلال 2020، إلى حوالي8 في المائة (7.7) مع متم 2025، مع توقعات تفيد وصولها إلى 12 في المائة نهاية 2026. تختلف نسبة نمو المبيعات حسب كل علامة، إذ عرفت بعض أصناف علامات "بي واي دي" ارتفاعا بنسبة 700 في المائة في ما يتعلق بـ "بي واي دي سيل يو" الهجينة والقابلة للشحن، إذ تم بيع 180 وحدة منها في ماي الماضي، وتعرض بسعر في حدود 360 ألف درهم، وعرفت مبيعات هذه العلامة بكل أصنافها زيادة بنسبة 316 في المائة، خلال السنة الماضية، إذ انتقل عدد الوحدات التي تم تسويقها من 700 وحدة، خلال 2024، إلى 3200 وحدة مع متم السنة الماضية. كما حققت مبيعات علامة "شانغان" زيادة بنسبة 124 في المائة، إذ تم تسويق 1800 وحدة منها السنة الماضية، وارتفع عدد الوحدات التي تم تسويقها من علامة "جيلي" بنسبة 173 في المائة، وتم تسويق 1200 وحدة من علامة "غريت وول موتورز" (GWM). وسجلت علامات مثل "موريس كاراج" (MG) و"شيري" (Chery) معدلات نمو سنوية تتجاوز 100 في المائة، متفوقة بأضعاف على وتيرة نمو المبيعات الإجمالية للقطاع، التي تظل محدودة في المتوسط. وأصبحت السيارات الصينية تشكل، حاليا، أكثر من20 في المائة من مبيعات فئة السيارات الرياضية متعددة الاستعمالات (SUV)، ما انعكس بشكل كبير على العلامات الأوربية من هذه الفئة، التي لم تستطع مواكبة العروض "الشرسة" للمصنعين الصينيين. وسجل المهنيون تنوعا أكثر في العلامات التجارية مع ولوج العلامات الصينية، إذ دخلت 11 علامة صينية في السنة الماضية، بعد أربع علامات سنة من قبل، ما رفع العدد الإجمالي للعلامات المسوقة بالمغرب إلى 51 علامة. وتمكنت بعض العلامات الصينية من تجاوز علامات أوربية بالسوق المغربي، على غرار علامات "بي واي دي"، التي سوقت منها 3237 وحدة، متجاوزة علامة "بوجو 208" الهجينة. إجراءات أنعشت المبيعات اعتمد المغرب مخططا وطنيا للتنقل الكهربائي، لتقليص استعمال الطاقات الأحفورية وتوسيع قاعدة مستعملي وسائل النقل، التي تعمل بالطاقة الكهربائية. ويسعى هذا المخطط، الذي حدد له غلاف مالي بقيمة 22.5 مليار درهم (2250 مليار سنتيم) على مدى خمس سنوات، إلى أن يرتفع عدد السيارات الكهربائية المستعملة في التنقل إلى 150 ألف وحدة، في أفق 2030. كما حدد المخطط، في ما يتعلق بتطوير البنية التحتية لشحن المركبات الكهربائية، إنشاء ما لا يقل عن 23 ألف شاحن في أفق 2030، علما أن المغرب يتوفر، حاليا، على حوالي 632 شاحنا عموميا، عدد كبير منها مثبت على المحاور الطرقية، إضافة إلى 142 محطة للشحن السريع، موزعة على أهم المحاور الطرقية. وبالموازاة مع بيئة الاستثمار والبنيات التحتية، تم إقرار عدد من التدابير التحفيزية لتشجيع اقتناء هذا النوع من السيارات، من قبيل الإعفاء من الضريبة السنوية على السيارات، وتخفيض الحقوق الجمركية، ما ساهم في تقليص الفارق بين أسعار بيع السيارات المستعملة للطاقة الأحفورية وتلك التي تشتغل بالبطاريات الكهربائية إلى 20 في المائة، علما أنه كان يتجاوز 45 في المائة. وساهمت هذه الإجراءات في إنعاش مبيعات السيارات الصينية التي تتفوق كثيرا على نظيرتها الأوربية في هذا المجال. وتفيد المعطيات أن التدابير المتخذة أثرت بشكل واضح على بنية السوق، إذ تراجعت حصة السيارات التي تشتغل بالغازوال، خلال الفترة ذاتها، من حوالي 90 في المائة إلى 70، مقابل زيادة في نسبة السيارات الهجينة أو التي تشتغل بالطاقة الكهربائية، التي تم تسويقها مقارنة بالعدد الإجمالي، إذ انتقلت من 8 في المائة، في 2024، إلى 12 مع متم السنة الجارية، ما يعكس تطورا في رغبات الزبناء، إذ أن الإقبال يزداد سنة بعد أخرى على السيارات الهجينة أو الكهربائية، التي تجاوزت مبيعاتها 28 ألف وحدة. وسجل المهنيون تنوعا أكثر في العلامات التجارية مع ولوج العلامات الصينية، إذ دخلت 11 علامة صينية في السنة الماضية، بعد أربع علامات سنة من قبل، ما رفع العدد الإجمالي للعلامات المسوقة بالمغرب إلى 21 علامة، 12 منها ولجت السوق في السنة الماضية. نقط الجذب والقوة تمكنت العلامات الصينية من تعزيز مكانتها ورفع حصتها في سوق السيارات بالمغرب، بفضل الامتيازات العديدة التي تتوفر عليها بالمقارنة مع نظيرتها الأوربية، سواء في ما يتعلق بالخيارات المتطورة التي توفرها السيارات، أو بخصوص مدة الضمان. ويعد السعر السلاح الفتاك الذي تواجه به العلامات الصينية نظيراتها الأوربية، إذ أن العروض التي تعلن عنها لا يمكن مجاراتها من قبل شركات صناعة السيارات الأوربية. وهكذا، إذا قارنا بين العلامة الصينية "إم جي زيد إس" والعلامة الفرنسية "داسيا داستر" سيتضح الفرق الكبير بين العلامتين، إذ رغم أن السعر الأدنى للثانية يقل عن الأولى بحوالي 5 آلاف درهم، إذ تعرض بـ 185 ألف درهم، مقابل 190 ألف درهم، فإن هذا الامتياز في السعر سرعان ما يتبدد، بالمقارنة بين التجهيزات التي تتوفر عليها المركبتان. فالسيارة الصينية تتوفر على شاشة لمس وكاميرا وسقف "بانورامي"، باعتبارها تجهيزات أساسية، أما المركبة الفرنسية تقدم تجهيزات متقشفة بالسعر الأدنى، في حين يتعين دفع المزيد لمن يرغب في تجهيزات إضافية، وتشتغل الأولى بمحرك البنزين والكهرباء، ما يجعلها صديقة للبيئة وجيب صاحبها، في حين أن الثانية تشتغل بالغازوال. بالموازاة مع ذلك، فإن المصنع الصيني يقدم مدة ضمان تصل إلى 7 سنوات، في حين لا تتجاوز المدة بالنسبة إلى "داسيا دوستر" ثلاث سنوات. وتمكنت السيارة الصينية من كسب الرهان، أيضا، بالنظر إلى أن مسوق العلامة راهن على الإرث البريطاني، إذ لم تقدم "إم جي" نفسها على أنها سيارات صينية، بل بريطانية عريقة، ما خفف من التوجس لدى المستهلك المغربي. وهكذا، عندما توضع "أم جي زيد إس" بجانب "دوستر"، فإنها تبدو كأنها سيارة من فئة أعلى بفضل التجهيزات التي تتوفر عليها وتصميمها. استثمارات ضخمة شهدت السنوات الأخيرة زخما في الاستثمارات الصينية في قطاع السيارات بالمغرب، إذ يعتبر المستثمرون الصينيون حلقة وصل استراتيجية تسمح للصين باختراق الأسواق الأوربية والأمريكية بأقل التكاليف وبأفضل الشروط الجمركية. ويعد مصنع "غوشن" الاستثمار الصيني الأبرز بالمنطقة الصناعية بالقنيطرة، الذي يهدف إلى إنشاء أول مصنع عملاق للبطاريات في أفريقيا، ما يضع المغرب ضمن نادي الكبار في سلسلة توريد الطاقة النظيفة. كما تركز استثمارات "بي تي أر" و"هيليانغ" بمدينة محمد السادس "طنجة تيك" على إنتاج الكاثودات والنحاس المخصص للبطاريات، مما يعني أن المغرب بدأ بالفعل في توطين التكنولوجيا الصينية الدقيقة. ولا يقتصر الحضور الصيني على البطاريات، بل يمتد ليشمل مكونات بالغة الأهمية، مثل مشروع العملاق الصيني "سيتيك دي كاستل"، الذي أنشأ بالقنيطرة مصنعا لإنتاج إطارات عجلات السيارات من الألمنيوم. كما استقر بالمغرب عدد من المقاولات الصينية المتخصصة في قطاع السيارات بالمغرب. وتعكس هذه الاستثمارات الضخمة أن "التنين الصيني" لا يتخذ من المغرب سوقا لسياراته فحسب، بل قاعدة تصنيع لغزو الأسواق الأوربية بالدرجة الأولى، والأمريكية، أيضا، إذ أن المغرب يعد البلد الوحيد في أفريقيا الذي تربطه بالولايات المتحدة الأمريكية اتفاقية تبادل حر.