يوسف الساكت يتحدث الرجل، الذي يجلس بجواري في المقهى، بإسهاب عن أنواع قطع غيار السيارات التي وصلت في شحنة جديدة إلى "لافيراي السالمية" بالبيضاء، ثم ينتقل، بخفة قل نظيرها، إلى تقديم شروحات حول الفرق بين صاروخ بالستي انشطاري وآخر فرط صوتي، وبين طائرة مسيرة محملة بقنابل عنقودية وأخرى للاستطلاع، وثالثة بمهام انتحارية سريعة. كان عبد المنعم (هكذا يناديه رفاقه في الطاولة المجاورة)، يرشف من فنجان قهوته السوداء رشفتين متتاليتين، "يتمطق" بصوت مسموع، ثم يستأنف كلاما مسترسلا يصل صداه إلى الطاولات المجاورة، كأنه يفتح نشرة أخبار خاصة. يتوقف لحظة، يبلل حنجرته بماء معدني، ثم يواصل غزواته المعرفية بين تفكيك محركات السيارات، وتقديم نصائح إلى مجالسيه لتفادي "البياس المدرح" القادم من الصين عبر تركيا، ثم بعدها مباشرة يجد منفذا إلى الشرق الأوسط، مدليا بخبرته الواسعة في تحديد إحداثيات راجمات الصواريخ بجبال إيران، وحسابات الرد الإسرائيلي، ومواقع القواعد الأمريكية في الخليج. لم يقاطعه أحد، طيلة ساعة ونصف، ولم يُقل له، حتى على سبيل المزاح الرمضاني بعد صلاة التراويح "ربط السلوكية أعبد المنعم"، بل كان المتحلقون حوله يومئون برؤوسهم في خشوع لافت، وكأنهم أمام خبير "ملحمي" يعرض خلاصة تقرير استخباراتي بالغ الحساسية. قدرت مع نفسي أن خبرته في ميكانيك السيارات وقطع الغيار تمنحه نوعا من الشرعية في الحديث، لأن الفارق، في نظر مستمعيه على الأقل، ليس كبيرا بين تركيب "سيلاندر" بمحرك سيارة، وبين وضع رأس نووي على صاروخ عابر للقارات. كلاهما في النهاية، بالنسبة إلى عبد المنعم، مجرد عملية تركيب دقيقة تحتاج إلى يد خبيرة ومعرفة بالتفاصيل. لكن، ما أطلقه الرجل من "صواريخ تحليلية" تلك الليلة فاق كل الحدود، حين سمعته يقول لهم إن قرار تغيير المدرب وليد الركراكي بمحمد وهبي له علاقة مباشرة بتداعيات تنزيل مقترح الحكم الذاتي في الصحراء المغربية. بعدها مباشرة ساد صمت طويل، تبادل خلاله "الرفاق" نظرات استغراب بينهم، دون أن ينبس أحد بكلمة، أو على الأقل يطرح عليه سؤالا بسيطا حول العلاقة بين تغيير في العارضة الفنية لفريق، وبين نزاع مفتعل عمره خمسون سنة؟ ومن يدري، ربما يملك عبد المنعم الجواب عن هذا السؤال الفلسفي. في تلك اللحظة، تأكدت، للمرة الألف، بأن مقاهي بلدي ليست مجرد فضاءات لاحتساء القهوة وتبادل أحاديث عابرة، ثم يقوم كل واحد لقضاء مشاغله. هنا، بين رشفة قهوة وتعليق عابر، تصاغ نظريات كبرى عن الحروب والتحالفات والاقتصاد والرياضة، ويولد كل مساء خبراء جدد، بسرعة لا تقل عن سرعة إعداد فنجان قهوة سوداء في مقهى شعبي. خبراء يولدون ويموتون دون أن ننتبه إليهم.