شياطين الإنس مصطفى لطفي في طفولتنا، كنا نستمتع برواية تقييد الملائكة للشياطين في رمضان، لدرجة أن خيالنا الطفولي وقتها، كان يسبح بنا بين صور متخيلة للشياطين بوجوهها البشعة وقرونها الطويلة، وهي تبكي وتستعطف داخل أقفاص حديدية، الملائكة لفك قيود في يديها ورجليها تشل حركتها. كان يتم ترديد هذه الرواية، لتبرير تزايد مظاهر التدين في رمضان، الذي يوشك أن يصل إلى مرحلة الزهد. تنافس في ارتداء أزياء تقليدية، وإقبال محموم على المساجد وصراع لحجز أماكن خلف الإمام، حتى لو انتهت بالسب والشتم وعراك بالأيدي لضمان هذه "الحظوة"، وسيادة حالات من الود والتآزر والتآخي ومبالغة في تبادل التهاني وتقديم العون والصدقة. يتم تقديم تلك الطقوس الرائعة أنها الفطرة الحقة للناس، وأنه لولا الشياطين، لتواصلت هذه السلوكات الحميدة على طول السنة، وليس في رمضان فقط. إلا أن بعض السلوكات المشينة في رمضان، تدفعنا إلى التشكيك في هذه الرواية، وربما قد تجعلنا نصدق المثل الشعبي "الشيطان هو بنادم"، أو على الأقل أن الشياطين قبل وضعها في القيد بيوم واحد، ربما سلمت "المشعل" لبعض الإنس، وبدل أن تسود الرحمة هذا الشهر، تفجر فيه جميع العقد النفسية، من سب وشتم واستعداد للقتل من أجل أتفه الأسباب، ويتزايد فيه الاحتكار وبيع السلع بأضعاف أسعارها، واستغلال المناسبة الدينية لترويج "البريمي". كما تتنامى بشكل غير مسبوق، السرقات بالخطف وتحت التهديد والنصب والاحتيال وتجارة الممنوعات. ولحظة أذان المغرب، يتقاسم الجميع التمر ويتبادلون عبارات "تقبل الله صيامكم". بسبب النفاق الرمضاني اختلطت الأمور والمفاهيم، لدرجة أن الناس صاروا يتعايشون مع كبائر ويغضون الطرف عنها، في حين يتشددون مع الأخرى، إذ لا يتسامح المغاربة مع شارب الخمر في رمضان، بل على استعداد للفتك به لأنه أساء لقدسية الشهر، ولم يحترم بدعة "40 يوما"، لكنهم يتسابقون في البحث عن لفافات الحشيش لتعويض شرب الخمر، وعن سهرات ماجنة ومومس تشاركهم الفراش، رغم أن حد الزنا من أشد الكبائر مقارنة مع الخمر، وحدها الشرعي قد يصل إلى الرجم حتى الموت، وإن كان هذا الحكم موضوع خلاف. كما حول رياء الناس في رمضان فروضا إلى سنة والسنة إلى فروض، والدليل صلاة التراويح، فرغم أنها سنة، يحرص الجميع على أدائها جماعة، في حين يمكن التهاون في صلاة العشاء. ربما صدق تخوف الرسول الكريم عندما رفض صلاة التراويح في المساجد خوفا من أن تتحول إلى فرض ملزم. رغم أنها كانت تصلى بشكل فردي، لم تتخذ طابع الجماعة إلا في عهد الخليفة عمر بن الخطاب. حاليا يسود الاعتقاد لدى المغاربة أن التفريط في ركعة واحدة من التراويح من أكبر الآثام، في حين لا تلام لو استدركت فقط الركعة الأخيرة من صلاة العشاء، أو أديتها مع جماعة "المتأخرين".