اشتغل ضمن خلية أمنية اعتمدت المقاربة الاستباقية والحوار قبل الزجر في ذاكرة الأمن الرياضي بالبيضاء، يبرز اسم الضابط الممتاز محمد السعيدي أحد الوجوه التي اشتغلت في صمت، لكن بأثر واضح، خلال مرحلة دقيقة من تاريخ الشغب الكروي بالمغرب، خاصة في الفترة التي تلت 1212، حين تحولت بعض مدرجات الملاعب إلى فضاءات للاحتقان والانفلات. اشتغل السعيدي ضمن خلية الأمن بولاية أمن آنفا التابعة للمديرية العامة للأمن الوطني، وهي الخلية التي وجدت نفسها في مواجهة مباشرة مع تصاعد ظاهرة "الإلترات" وما رافقها أحيانا من صدامات دامية بين الجماهير، سواء داخل الملاعب أو في محيطها الحضري. بدأ مساره المهني مفتش شرطة، متدرجا في المسؤوليات، قبل أن ينهيه برتبة ضابط ممتاز. مسار مهني لم يكن تقليديا، بل ارتبط أساسا بالعمل الميداني، وبمقاربة استباقية في تدبير المباريات المصنفة "عالية المخاطر"، وعلى رأسها مواجهات الرجاء والجيش الملكي أو الديربي البيضاوي. الخميس الأسود... اختبار النار شكل ما بات يعرف إعلاميا بـ"الخميس الأسود" في مباراة الرجاء الرياضي والجيش الملكي محطة مفصلية في مسار التعاطي الأمني مع الشغب الرياضي. يومها، عاشت مدرجات المركب الرياضي على وقع أحداث عنف وفوضى، خلفت إصابات وخسائر مادية، وطرحت أسئلة صعبة حول سبل احتواء الظاهرة. في تلك المرحلة، كانت خلية الأمن التي اشتغل ضمنها السعيدي تعتمد مقاربة مزدوجة الصرامة في مواجهة السلوكات الإجرامية، مقابل الانفتاح على قادة "الإلترات" والحوار معهم. لم يكن الهدف فقط إيقاف المتورطين، بل تفكيك منطق التصعيد، وإحداث جسور ثقة مع فئات من الشباب كانت تعتبر نفسها في مواجهة دائمة مع السلطة من المقاربة الزجرية إلى التواصلية وعيا منه بأن الشغب ليس معطى أمنيا صرفا، بل ظاهرة اجتماعية مركبة، انخرط السعيدي في تجربة تأطير "الإلترات"، من خلال لقاءات مباشرة مع قادتها، وتنسيق مسبق بشأن التنقلات الجماهيرية، ومسارات الولوج والخروج من الملاعب. كان يرافق الجماهير إلى عدد من المدن، في مباريات خارج الدار البيضاء، بهدف منع الاحتكاك المباشر بين الفصائل المتنافسة. هذا العمل الميداني أسهم في تقليص منسوب العنف في عدد من المناسبات، عبر ضبط التوقيت، وتأمين مسارات الحافلات، والتنسيق مع المصالح الأمنية بالمدن المستقبلة. مباراة الوداد وخنيفرة… لحظة حاسمة تظل مباراة الوداد الرياضي وشباب أطلس خنيفرة التي جرت بخريبكة، من أبرز المحطات التي يستحضر فيها دور الخلية الأمنية. فقد رافق الفريق الأحمر عدد كبير من جماهيره، ما سبب ضغطا غير مسبوق على محيط الملعب والبنيات التحتية. حسب معطيات من محيط تلك المرحلة، فإن التدخل الاستباقي للخلية، عبر إعادة تنظيم الولوج وتفادي تدافع الجماهير، حال دون وقوع اشتباك خطير كان يمكن أن تزهق فيه أرواح. كانت لحظة اختبار حقيقية، أبرزت أهمية التنسيق المسبق، وسرعة اتخاذ القرار في الميدان. اليوم، وبعد سنوات من تلك المرحلة العاصفة، يبقى اسم محمد السعيدي مرتبطا بمرحلة انتقالية في تدبير الأمن الرياضي بالمغرب، مرحلة انتقلت فيها المقاربة من رد الفعل إلى الفعل الاستباقي، ومن المواجهة إلى الحوار المشروط بالانضباط. تجربة تؤكد أن محاربة الشغب لا تتحقق فقط بالعصا، بل أيضا بالكلمة، وبفهم عميق لدينامية المدرجات وتحولاتها. محمد بها