"يوميات سجين"... تراجيدية ساركوزي (الأخيرة) تحول "نيكولا ساركوزي"، الرئيس الفرنسي الأسبق، بسبب الثلاثة أسابيع التي قضاها خلف القضبان، إلى كاتب تراجيديا بامتياز، بعد حبسه على خلفية قضية اتهامه بتلقي أموال من الرئيس الليبي المقتول معمر القذافي لتمويل حملته الانتخابية، ما جعله أول رئيس فرنسي سابق في تاريخ الجمهورية الخامسة يوضع خلف القضبان ويتجرع مرارة الزنزانة، بعد أن ذاق طعم السلطة في قصر الإليزيه. يرسم الكتاب، الذي صدر عن دار النشر الفرنسية "فايار" (Fayard)، صورة مغايرة عن فرنسا، وعن الحياة السياسية فيها، وعن بعض صانعيها في المرحلة الراهنة. تقدم "الصباح" أهم الصور الدرامية التي رسمها السجين خلال المدة التي قضاها بسجن «لاسانتي» في باريس. عبد الواحد كنفاوي المناصب زائلة لكن الشخصية التي صقلت في النار هي التي تبقى للتاريخ يصل نيكولا ساركوزي في ختام "يوميات سجين" إلى ما يمكن تسميته الانتصار المعنوي الكامل، إذ لم يعد السجن في نظره مكانا للعقاب، بل أصبح «ورشة للنحت» أعاد صياغة معدنه السياسي والإنساني. يتحدث ساركوزي عن النضج ليس في بعده الزمني، بل باعتباره عملية «قسرية» فرضها السجن. ويوضح الكاتب أن الجدية، التي اكتسبها، تنبع من مواجهة الحقيقة العارية. في السلطة، كان محاطا بـ "نعم» الدائمة، أما في السجن فقد واجه "لا" القاطعة. هذا الاصطدام جعله، من وجهة نظره، "أقوى"، لأنه لم يعد يخشى فقدان شيء، فمن خسر حريته ولم ينكسر، لا يمكن تهديده بخسارة منصب. ويرى أن المناصب زائلة، لكن الشخصية التي صقلت في النار هي التي تبقى للتاريخ. ويوضح ساركوزي أن "لا سانتي» منحه ما حرمه منه «الإليزيه»، القدرة على الرؤية بوضوح، وعلمه التركيز على الجوهر، واصفا السجن بأنه كان بمثابة "مصفاة" أسقطت العلاقات الزائفة والطموحات الفارغة، ولم يتبق في قاع المصفاة إلا ثلاثي، يتشكل من العائلة والنزاهة والوطن. ويصبح الوطن بالنسبة إلى ساركوزي "الوليد" ليس مجرد حدود جغرافية أو انتخابات، بل هو "فكرة" تستحق القتال من أجلها حتى من خلف القضبان. يوجه ساركوزي كلامه مباشرة لمن اعتقدوا أن القضبان ستكون نهاية مسيرته، ليؤكد لهم إخفاقهم في رهانهم. ويرى أن النظام الذي أراد تحطيمه قد منحه، عن غير قصد، منصة أخلاقية جديدة. "الروح التي لم تنل منها الجدران" تلك هي الرسالة التي يريد إيصالها، وهي رسالة تحد مفادها أن معركته مع "الكذب"، وهو المصطلح الذي يطلقه على خصومه ومنظومة التحقيق، قد بدأت للتو. ويؤكد أن خروجه من السجن ليس «تقاعدا»، بل «انطلاقة محارب»، بعد أن أصبح يمتلك سلاحا فتاكا، يتمثل في الصدق الذي لا يخشى العواقب. وينتهي الكتاب بتحويل "اليوميات" من وثيقة دفاع إلى «بيان إنساني»، ويصبح السجن، في حالة ساركوزي، دليلا ماديا على ما يسميه "تغول السلطة القضائية"، ويعتبر الكتاب وثيقة اتهام للنظام الذي يضحي بالأفراد، من أجل أيديولوجيات القوة. وينهي ساركوزي كتابه بلمسة إنسانية مؤثرة، يدعو القراء إلى «تقييم حياتهم»، قبل أن يفرض عليهم القدر عزلة مشابهة. ويطلب منهم عدم الانخداع بـ "بريق السلطة"، لأن الحقيقة لا توجد تحت الأضواء الكاشفة، بل في الهدوء والصدق الداخلي. بهذه الكلمات، يغلق ساركوزي يومياته ليس سجينا سابقا، بل «رجلا حرا" وجد حريته في اللحظة التي لم يعد يطمع فيها بشيء. الكتاب ليس نهاية لقصة، بل مقدمة لشخصية جديدة في المشهد الفرنسي، ساركوزي "الحكيم، والمتمرد، والمجروح بكبرياء».