«الصباح» تكشف مسارات تهريب "المعسل" وجهل مستهلكيه بمصادره يهدد حياتهم يعتبر انتشار «الشيشة» في المغرب من القضايا المعقدة، اقتصاديا واجتماعيا، رغم الحملات الأمنية الكثيفة التي تشهدها معظم المدن، وحجز كميات كبيرة من مادة «المعسل»، والتي تدخل المملكة عبر مسارات تهريب، من الجنوب والشرق. فبينما يرى البعض أن تدخين «الشيشة» ترفيه، تكشف الأرقام والتقارير المنجزة في السنتين الماضيتين، أنها أصبحت قطاعا غير مهيكل، يستنزف الصحة العامة، ويغذي شبكات تهريب دولية عابرة للحدود. في هذا التحقيق، ترصد «الصباح» مسارات تهريب «المعسل»، التي تمتد من الشمال الشرقي إلى الجنوب، برا وبحرا، والمدن التي تعتمد لتفريغ تلك الشحنات المهربة. إلى جانب ذلك، شدد كثيرون، من خلال هذا التحقيق، على خطورة تلك المواد المهربة، بسبب جهل مصدرها، إذ غالبا ما تكون مضرة بشكل كبير بالصحة، ومسببة لعدد من الأمراض الخطيرة، مثل السرطان. إنجاز: العقيد درغام انتشار ساهم في رفع الطلب في السنوات الأخيرة، تمدد انتشار "الشيشة"، إلى الأحياء الشعبية، ولم تعد محصورة فقط على الفنادق والأحياء الراقية، بل تغلغلت في عمق الأحياء الشعبية وهوامش المدن الكبرى، على غرار البيضاء وطنجة ومراكش وفاس وأكادير. وتراهن المقاهي على "المعسل" لجذب فئات عمرية شابة، بمن في ذلك المراهقون والنساء، مستغلة غياب نص قانوني صريح يمنع استهلاكها داخل الأماكن العمومية، باستثناء الدوريات الوزارية وقرارات السلطات المحلية. ومع مرور الوقت، انتشرت الظاهرة من المقهى إلى المنزل والنزهات الشاطئية، ما ضاعف الطلب على مادة "المعسل" ورفع من حدة تهريبها، وسعرها. اقتصاد سري بما أن استيراد "المعسل" يخضع لرسوم ضريبية وجمركية مرتفعة جدا، تصل أحيانا إلى 200 في المائة من قيمته، فإن السوق السوداء هي المزود الرئيسي للمقاهي والمحلات. بناء على بحث "الصباح"، فإن مسارات التهريب تمر عبر ثلاثة محاور رئيسية، أولها المحور الشرقي، عبر الحدود البرية مع الجزائر. فرغم تشديد الرقابة، لا تزال شبكات التهريب تستخدم مسالك وعرة لإدخال كميات كبيرة من المعسل، تكون غالبا من أصل مصري أو تركي أو إماراتي، عبر الحدود الشرقية. وبناء على معطيات "الصباح"، يتم تخزين "المعسل" في مستودعات سرية بمدن مثل وجدة والناظور قبل توزيعه وطنيا، إذ يصل إلى جل المدن، أبرزها مدن الوسط، مثل البيضاء والعاصمة الرباط، والقنيطرة وسلا وفاس ومكناس. وهناك محور ثان للتهريب، وهو محور سبتة ومليلية، إذ يعد نقطة عبور حيوية لـ "المعسل" المهرب القادم من أوربا، خاصة من ألمانيا وإسبانيا، ويتم إدخاله في شكل طرود صغيرة مجزأة، أو عبر شاحنات النقل الدولي للبضائع بتمويه احترافي. محور الجنوب الأكثر نشاطا إلى جانب محوري الشرق والشمال، هناك محور حيوي لتهريب "المعسل"، بل يعتبر هو الأكثر استعمالا، وهو محور الجنوب. تعتبر موريتانيا، أكبر مزود للمغرب بـ "المعسل المهرب"، عبر طرق مختلفة، إذ يصل إلى غاية أكادير ومدن الوسط، والجنوب الشرقي. وبناء على المعطيات التي جمعتها "الصباح"، فإن أبرز هذه المحاور، هو معبر الكركرات، الذي يعرف مرور عدد كبير من الشاحنات يوميا، والتي تعود أدراجها بعد تصدير أطنان من السلع إلى إفريقيا، قادمة من المغرب وأوربا. ولكي لا يكتشف أمرها، فإن هذه الشاحنات التي تعود للمغرب عبر معبر الكركرات، تكون قد أفرغت كل حمولتها في دول إفريقية، مثل موريتانيا والسنغال، وتدخل المعبر بكميات من "المعسل المهرب"، مخفية بعناية. وفي السياق نفسه، تعتبر أكادير وتارودانت المدينتين اللتين تعرفان أكبر تفريغ لشحنة "المعسل المهرب"، والذي يخبأ في ضيعات، والدليل على ذلك، حجز أطنان من هذه المادة في الفترة الماضية. مسارات بحرية وجوية تستغل شبكات التهريب أحيانا الموانئ الكبرى، مثل ميناء طنجة المتوسط وميناء البيضاء، عبر تزوير التصاريح الجمركية، ووضع مواد تجميل أو منظفات بدلا من "المعسل". الخطير في هذه المحاور، هو جهل المستهلك لمصدر هذه المواد، التي في الغالب تكون مواد مغشوشة، ما يحولها إلى "قاتل صامت". وأخطر ما في هذه الظاهرة هو انتشار "المعسل المغشوش"، إذ يتم تصنيع كميات هائلة في ورشات سرية بالمغرب باستخدام مواد متعددة، خطيرة على الصحة. ويتعلق الأمر بتبغ رديء الجودة، من بقايا السجائر، أو مواد كيميائية ملونة ومنكهات غير صالحة للاستهلاك البشري، ثم كميات ضخمة من "الغليسيرين" والعسل الأسود مجهول المصدر. هذا الخليط يضاعف خطر الإصابة بأمراض السرطان والجهاز التنفسي، بنسبة 50 في المائة، مقارنة بـ "المعسل" الخاضع للرقابة. من جهة ثانية، أثبتت دراسات أن "رأسا" واحدا من الشيشة يعادل تدخين 40 سيجارة إلى 100. وبالإضافة إلى الأمراض العضوية، تساهم "الشيشة" في الهدر المدرسي وارتباطها بجرائم أخرى. المحور البحري إلى جانب معبر الكركرات، يعتبر الشريط البحري من الداخلة إلى موانئ إفريقيا الجنوبية، مسارا نشطا لتهريب "المعسل"، عبر قوارب، تكون غالبا غير مرقمة. وحسب معلومات "الصباح"، يتم التهريب وسط البحر، في إطار علاقات شبكات للتهريب الدولي، تنشط في هذا المحور، ويتم إفراغ الكمية بشكل غير قانوني وسري، بنقاط تفريغ ضواحي الداخلة، لتصل إلى باقي مناطق الوسط والجنوب الشرقي للمملكة. وتعتمد شبكات التهريب على بعض القوارب المعدة للصيد، والتي تلج البحر بحثا عن السمك، لكن بعضها يجلب معه "المعسل" بطريقة سرية. ويعتبر هذا المحور أيضا، من المحاور النشطة لتهريب "المعسل"، والذي يوزع بكثرة في مدن مثل أكادير ومراكش وتارودانت والنواحي. حرب أمنية دائمة رغم هذه المحاور التي أحدثها مهربون، فإن الأمن يشن، منذ سنوات، حملة كبيرة في كل المحاور، بما فيها سبتة ومليلية، وموانئ طنجة والبيضاء وأكادير، ناهيك عن معبر الكركرات. ومن بين آخر عمليات الشحنات المحجوزة، تلك التي قامت بها مصالح الجمارك العاملة بميناء طنجة المتوسط، بتنسيق مع مصالح الأمن الوطني، في دجنبر الماضي، وتم إحباط تهريب كمية مهمة من مادة "المعسل"، ومجموعة من المكملات الغذائية، كانت موجهة بشكل غير مشروع إلى التراب الوطني، إذ بلغت الكمية 199 كيلوغراما. الأمر نفسه حدث في مراكش ومرتيل وطنجة وباب سبتة والبيضاء، في 2025، ناهيك عن حملات مداهمة لمقاهي "الشيشة" في أغلب المدن المغربية. وفي هذا الشأن، تقوم المصالح الأمنية واللجان المختلطة بمداهمات دورية تسفر عن حجز آلاف "النرجيلات" وأطنان من "المعسل المهرب"، إذ في 2025، تم تفكيك شبكة كبرى كانت بصدد إغراق السوق بـ 20 طنا من هذه المادة. تدليس بالمرخص والمهرب من خلال إعداد هذا التحقيق، زارت "الصباح" عددا من المقاهي التي تعتمد "الشيشة"، من أجل الاستفسار عن مصدر "المعسل". واتضح، من خلال الحديث مع عدد من المستهلكين والباعة، أنهم يرفضون الخوض في موضوع التهريب، ويؤكدون أنهم يقتنون "المعسل" القانوني والمرخص، بل هناك من تحدث عن جهل مسارات التهريب وكيف يصل إلى مقاه معينة. أكثر من ذلك، كشف قائمون على بعض المقاهي علبا لـ "معسل" مرخص، يقولون إنهم اقتنوها بشكل طبيعي من الباعة المعتمدين، مشددين على أنهم يرفضون استعمال "المعسل المغشوش" أو "المهرب". البعض الآخر تحدث عن "تدليس" يقوم به بعض الباعة، وأصحاب المقاهي، إذ يخلطون بين المرخص والمهرب في علبة واحدة، ويقدمونه للزبائن على أنه قانوني وطبيعي. المتحدثون أنفسهم، أكدوا أن ارتفاع سعر علب "المعسل" المرخصة، من أسباب لجوء البعض إلى المهرب، والذي يكون بسعر أقل بكثير.