إبراهيم... رجل على حافة الاشتعال عدوانيته ليست مجرد سلوك بل درع دفاع ضد الخوف والرفض يمشي بخطوات سريعة كأنه في سباق دائم مع العالم، فلا يبتسم كثيرا، وحين يفعل ذلك تبدو ابتسامته باردة بلا دفء، ناهيك عن صوته المرتفع، حتى في أبسط النقاشات، ونبرته التي تحمل دائما شيئا من التحدي. لا يحتاج إبراهيم إلى سبب واضح كي يدخل في مواجهة، إذ يكفي اختلاف بسيط في الرأي ليحول الحوار إلى معركة، إذ اشتهر بين المقربين منه بعدوانيته في كل شيء، في كلماته قبل أفعاله، في نظرته قبل حركته، حتى أنه يتعامل مع الحياة، باعتبارها ساحة صراع لا مجال فيها للحياد. في العمل، يراقب إبراهيم زملاءه بشك دائم، إذ يفسر الملاحظات المهنية على أنها استهداف شخصي، ويعتبر أي نجاح لغيره تهديدا مباشرا لمكانته، فهو لا يؤمن بفكرة الفريق، بل بمنطق الغلبة. أما داخل المنزل، فلا يختلف المشهد كثيرا، إذ يعلو صوته لأسباب تافهة، وأعصابه مشدودة باستمرار، حتى أنه يفرض رأيه باعتباره الحقيقة الوحيدة. عادة لا يصغي إبراهيم بقدر ما ينتظر دوره ليرد، والنقاش معه ليس تبادلا للأفكار، بل اختبار قدرة على الاحتمال. أما في الشارع، فيقود سيارته، كما لو كان يواجه خصوما، خاصة حين يضغط على المنبه بعصبية، ويتذمر من بطء الآخرين، ويعتبر أي خطأ بسيط استفزازا مقصودا. عدوانيته ليست دائما صريحة، فأحيانا تتخفى في سخرية لاذعة، أو تعليق جارح يمرره تحت غطاء المزاح. كما أن كلماته دقيقة في إصابة نقاط ضعف الآخرين، كأنه يحفظ هشاشتهم. وحين يعتذر، يفعل ذلك ببرود، كأن الاعتذار إجراء شكلي لا اعتراف بخطأ. ورغم قناع إبراهيم الصلب، تظهر بين الحين والآخر لحظات صمت طويلة بعد انفعال، فنظرة شاردة توحي بإرهاق داخلي، وتوتر لا ينفصل عن شعور عميق بعدم الأمان، فالعدوانية هنا ليست فقط سلوكا، بل آلية دفاع متجذرة، درعا يحتمي به من خوف دفين من الرفض أو الخسارة. ومن يقترب من إبراهيم يكتشف أن عالمه الداخلي لا يقل صخبا عن سلوكه الخارجي، فهو يعيش في حالة استعداد دائم، كأن الحياة قد تباغته في أي لحظة، لا يمنح ثقته بسهولة، ولا يتقبل النقد، ويصعب عليه الاعتراف بالضعف. يرى عدد من أصدقاء إبراهيم أنه ليس حالة استثنائية، بقدر ما هو صورة لاحتقان اجتماعي أوسع، حيث يتحول الضغط اليومي إلى حدة، والقلق إلى غضب، والتنافس إلى عداء، فهو نتاج بيئة لا تتيح كثيرا من مساحات التنفيس الآمن، فيتحول التوتر إلى أسلوب حياة. خالد العطاوي