الموريون... الملوك الأوائل 2 حكم 50 سنة ودخلت موريطانيا في عهده فترة استقرار وازدهار لكن بسيادة ضعيفة طالما كان بناء الدولة والتنظيم سياسيا واجتماعيا، هاجسا لدى المغاربة، فكل الإشارات الأدبية والأثرية تثبت قدم الدولة والنظام الملكي في أرض المغرب. وتعتبر الدولة المورية، أول نظام ملكي مركزي قوي، شهده المغرب بإجماع الأكاديميين والأثريين. ظهرت المملكة المورية، التي رسم المؤرخون حدودها من البحر الأبيض المتوسط شمالا، وواد ملوية شرقا وجنوب جبال الأطلس أو وراءها جنوبا، في 500 قبل الميلاد، واستمرت 5 قرون كاملة، قبل اغتيال آخر ملوكها من قبل الإمبراطور الروماني "كاليغولا"، وإلحاقها بباقي الأقاليم الرومانية. ورغم تاريخها العريق إلا أننا لا نعرف كثيرا عن ملوك هذه الدولة المغربية، باستثناء ما ذكر في المصادر الرومانية واليونانية، وما عثر عليه الأثريون من نقائش ولقى وعملات نقدية تعود إلى هذه المراحل، خاصة بعد تدمير الأرشيف القرطاجي، وعدم العثور على أي أرشيف محلي إلى حدود الساعة. نخصص هذه السلسلة الرمضانية لإلقاء الضوء على أشهر ملوك هذه الدولة، وفترات حكمهم وإنجازاتهم وبطولاتهم وسياساتهم الداخلية والخارجية، معتمدين ترتيبا معكوسا يبدأ بالأقرب إلينا زمنيا وانتهاء بأول ملك مذكور في المصادر، التي لم تشر إلى جميع ملوك العائلة الملكة رغم كثرتهم. عصام الناصيري لا يستقيم ذكر تاريخ موريطانيا دون الوقوف على فترة أعظم ملوكها، على الأقل من الناحية الثقافية والعلمية والحضارية، فرغم أن فترته لم تكن فترة حرب أو تحالفات وذكاء استراتيجي، إلا أنه كان أشهر ملوك شمال إفريقيا. جلس يوبا الثاني على عرش مملكة موريطانيا، سنوات قليلة بعد هزيمة أبيه يوبا الأول أمام يوليوس قيصر الروماني، في معركة جرت بتونس الحالية، وانتحاره تجنبا للأسر، مقابل نقل يوبا الثاني إلى روما. وهناك تعلم وأبدع في علوم كثيرة مثل الفلسفة واللغات والجغرافيا والفنون والسياسة. كان يوبا الثاني رجل روما، الذي وقع عليه الاختيار لخلافة العرش الموريطاني، بعدما لم يترك بوغود وبوخوس الثاني، وريثا قويا للعرش، إذ دعمته روما لتولي الحكم، مفضلة الاعتماد على ملك ذي أصل إفريقي، لتفادي الثورات الداخلية، وعدم تكرار خطأ الضم النهائي لنوميديا إلى الإمبراطورية. تربى يوبا الثاني في القصر الإمبراطوري تحت رعاية أغسطس (أوكتافيوس قيصر)، وكانت تلك التربية جزءا من سياسة الإمبراطورية الرومانية لتثقيف الأمراء المحليين الذين يمكن أن يقودوا شعوبهم بتعاون مع روما. اختار يوبا الثاني مدينة قيصرية التي كانت تعرف بإيول، الواقعة في موقع شرشال الحالية في الجزائر، عاصمة لمملكته. وقد شهدت تلك المدينة في عهده نهضة عمرانية هامة، إذ أقام فيها مسارح ومكتبات وحدائق ومعابد وأسواقا وساحات عامة، ما جعلها من أبرز مراكز الثقافة والحياة المدنية في شمال إفريقيا في ذلك العصر. ازدهر اقتصاد موريطانيا في فترة يوبا الثاني، مستفيدا من موقعها المطل على البحر الأبيض المتوسط، حيث كانت التجارة البحرية مزدهرة، وخاصة مع إسبانيا وإيطاليا، وكان من صادرات موريتانيا في عصره السمك والعنب والحبوب والفواكه والأخشاب والأصباغ الأرجوانية، التي كانت تستخدم في صناعة أقمشة الأثرياء والرومان. يقول المؤرخون أن يوبا الثاني كان من أكثر ملوك عصره ثقافة وفكرا، حتى إن الباحثين يصفونه بأنه "ملك عالمي" أو "ملك العالم"، قبل أن يكون مجرد حاكم سياسي. وقد ذكر أنه أتقن العديد من اللغات القديمة مثل اللاتينية الإغريقية والبونيقية، وأنه خصص جزءا كبيرا من حياته للقراءة والدراسة والتأليف. كتب يوبا الثاني في مجموعة واسعة من الحقول المعرفية، بما في ذلك التاريخ والجغرافيا والأنساب وعلم الطبيعة والنحو والفنون (مثل المسرح والرسم)، وعلم الأشباه والمفردات، لكن للأسف لم يصلنا أي من تلك المؤلفات بشكل كامل، وتوجد فقط إشارات مقتضبة واقتباسات عنها في أعمال مؤرخين قدامى مثل "بليني الأكبر". وفي ما يخص حياته الشخصية، فقد تزوج يوبا الثاني من كليوباترا سيليني الثانية، وهي ابنة كليوباترا السابعة والجنرال الروماني مارك أنطوني، ولعبت زوجته دورا ثقافيا بارزا في البلاط، وساهمت في دعم المشاريع الفنية والعلمية، كما ساعدت في تقوية العلاقات بين موريتانيا ودوائر النخبة الرومانية. وعلى المستوى الحضاري، ترك يوبا الثاني بصمات واضحة في البنية العمرانية والفنية لشرق موريتانيا، وخاصة في قيصرية ووليلي، حيث استخدمت عناصر من العمارة الإغريقية والرومانية والمصرية، ما يعكس توجهه نحو مزج الثقافات. ورغم التقدم الثقافي والاقتصادي، عانى يوبا الثاني ثورات محلية، من قبل قبائل مثل "الجيتوليين" و"المور" وغيرهم الذين رفضوا أحيانا التدخل الروماني أو فرض سياسات مركزية، ما اضطره إلى اعتماد أساليب دبلوماسية وسياسية للتخفيف من تلك الاحتجاجات.