حملات مضللة وفيديوهات بالذكاء الاصطناعي مصدرها الجزائر ومصر وإسبانيا وفرنسا عاد أغلب سكان المناطق المتضررة من الفيضانات إلى منازلهم، أخيرا، فعمت أجواء الفرح مئات المغاربة الذين وثقوا في قدرة مؤسسات المغرب على مواجهة الأزمات والكوارث، كما عادت مياه الأنهار إلى مجاريها، مخلفة عشرات «الضحايا» من الذباب الإلكتروني الذي سعى إلى الترويج إلى أخبار مضللة هدفها التشكيك في قدرة المغرب، ومحاولة «زرع الفتنة» بين المتضررين. لم تكن الفيضانات التي شهدتها مناطق مغربية مجرد اختبار لقدرة البنيات التحتية وأجهزة التدخل على مواجهة غضب الطبيعة، بل تحولت، في موازاة ذلك، إلى ساحة مفتوحة لحرب رقمية خفية، فبينما كانت فرق الإنقاذ تعمل في الميدان، كانت منصات التواصل الاجتماعي تمتلئ بموجة كثيفة من التغريدات والتدوينات ومقاطع الفيديو، بعضها مضلل أو مفبرك أو خارج السياق، إذ برزت مؤشرات على نشاط منسق لحسابات تصنف ضمن ما يعرف بـ»الذباب الإلكتروني»، مستغلة ظرفا إنسانيا حساسا لبث تعاليق مشحونة وضرب الثقة في المؤسسات... في التحقيق التالي ترصد «الصباح» عشرات النماذج من الأخبار والصور المفبركة، وتكشف مصدرها وخلفيات صانعيها. إعداد: خالد العطاوي بقدرما أتاحت التكنولوجيا ارتفاع نشاط الأخبار المضللة، بقدرما كشفت أيضا طريقة اشتغال "الذباب الإلكتروني" ومصدره وأهدافه، فمراجعة عشرات المنشورات المتداولة، خلال أيام الفيضانات الأخيرة، وتتبع مسار انتشارها والرجوع إلى تقارير منصات التحقق الدولية التي فندت محتوياتها، ناهيك عن تحليل بعض الخبراء أنماط النشر والسمات المشتركة بين الحسابات المروجة لها، يكشفان قناع المتربصين بالمغرب. ابتدأ نشاط "الذباب الإلكتروني" بكثافة منذ تنظيم المغرب لكأس إفريقيا للأمم، فمن بين أكثر المقاطع التي أثارت تفاعلا واسعا، فيديو جرى تداوله على نطاق كبير بزعم أنه يوثق "غرق ملعب بالرباط بسبب الفيضانات"، إذ انتشر المقطع بسرعة لافتة على منصة "إكس" و"فيسبوك"، وأرفق بتعليقات تتحدث عن "انهيار شامل للبنية التحتية"، إلا أن منصة "مسبار" للتحقق خلصت، بعد تحليل تقني، إلى أن الفيديو مولد بالذكاء الاصطناعي، وأنه لا يوثق لأي واقعة حقيقية في المغرب. ورغم نشر التفنيد، ظل المقطع يتداول في حسابات أخرى دون الإشارة إلى تصحيحه، ما يعكس نمطا متكررا في دينامية التضليل المتمثلة في سرعة الانتشار مقابل بطء التصحيح. وفي حالة ثانية، أعيد نشر فيديو قيل إنه يظهر فيضانات بتطوان، وبعد تدقيق عبر البحث العكسي عن الصور وتتبع تاريخ النشر الأول، تبين، وفق منصة "شييك" للتحقق، أن المقطع يعود إلى 2021، إذ تكرر السيناريو نفسه مع فيديو منسوب إلى فيضانات إقليم طاطا، قبل أن تثبت منصة "مسبار" أنه يعود إلى 2019. كما فندت وكالة "رويترز" مقطعا متداولا على أنه من المغرب يظهر سيولا تجرف قطيعا من الأغنام، مؤكدة أن الفيديو صور في تركيا في 2020. وفي مثال آخر، تم تداول فيديو لسيارات تجرفها المياه على أنه حديث، بينما تبين أنه متداول منذ 2023 في سياق مختلف. وكشفت حالات أخرى، موثقة بمصادر تحقق مستقلة، ثلاث تقنيات أساسية استخدمت خلال موجة الفيضانات الأخيرة لإعادة تدوير محتوى قديم، ونقل مشاهد من دول أخرى ونسبها إلى المغرب، ثم اللجوء إلى محتوى مفبرك أو مولد رقميا، إلا أن الأهم من المحتوى نفسه هو الكيفية التي انتشر بها. وتحدث أحد الخبراء، لـ"الصباح"، عن السمات التي تجمع أغلب الفيديوهات والصور، فتحليل عينة من الحسابات التي روجت لأكثر الفيديوهات تداولا، تظهر سمات مشتركة تجمعها، منها أن عددا مهما من الأخبار المضللة حديث الإنشاء أو محدود النشاط السابق، وبعضها لا يتضمن أي محتوى شخصي واضح، بل يقتصر على إعادة نشر مواد مثيرة للجدل في دول مختلفة. كما لوحظ نشر متزامن للمقاطع نفسها خلال دقائق قليلة من حسابات متعددة، مع استعمال وسوم موحدة تدفع بالمحتوى إلى قوائم المواضيع الرائجة، فنمط النشر المتزامن، المعروف في أدبيات تحليل الشبكات الرقمية بـ"التضخيم المنسق"، يعد أحد المؤشرات التقنية على وجود تنسيق، وإن كان لا يكفي وحده لإثبات وجود جهة مركزية تدير العملية. تقارير دولية تفضح "الأخبار المضللة" أشارت تقارير دولية إلى أن المغرب كان ضمن الدول التي استهدفت بموجات أخبار زائفة خلال الفيضانات الأخيرة، فبعض التحقيقات التي استفادت من أدوات الشفافية التي تتيحها منصات التواصل بينت أن جزءا من الحسابات التي تنشط بكثافة في قضايا مغربية يدار من خارج المغرب. ويعتبر خبراء في تحليل البيانات الرقمية أن ما يسمى بـ"الذباب الإلكتروني" لا يعني بالضرورة وجود غرفة عمليات واحدة، بل يشمل أنواعا متعددة من الفاعلين، فهناك حسابات تتحرك بدافع سياسي، و "مزارع محتوى" تسعى إلى الربح عبر الإثارة وزيادة التفاعل، وشبكات منسقة تستثمر الأحداث لتوجيه الرأي العام أو تصفية حسابات إقليمية. وفي حالات الكوارث، تتضاعف قابلية الجمهور لتصديق المحتوى الصادم، ما يجعل البيئة الرقمية أكثر هشاشة أمام التضليل. ووفرت الفيضانات، بطبيعتها المفاجئة والمأساوية، تربة خصبة للحملات المضللة، فالتدفق السريع للأخبار، وصعوبة التحقق الفوري من الصور الميدانية، وحالة القلق العام، عوامل تفتح المجال أمام روايات بديلة، بعضها مشروع في إطار النقد والمساءلة، وبعضها الآخر قائم على فبركة أو تحريف متعمد. وتشير تقارير وتحقيقات رقمية حديثة إلى أن موجة من التغريدات والمنشورات المضللة التي رافقت الفيضانات الأخيرة انطلقت من حسابات تنشط في دول من بينها الجزائر ومصر وإسبانيا وفرنسا وتركيا. تحريض ضد السلطات حصد منشور على "تيك توك"، أكثر من 3 ملايين مشاهدة، إذ تضمن مشاهد مروعة لسيول جارفة تجتاح الشوارع وتغمر أحياء بأكملها. وفي بعض اللقطات، تظهر سيول قوية تجرف السيارات وتدمر المنازل، إذ انتقد تعليق صوتي باللغة العربية السلطات المغربية، مدعيا أنها لم تكشف عن معلومات حول الفيضانات في الوقت المناسب، وأنها أطلقت المياه من السدود، وتسترت على الكارثة. وبعد التدقيق في الفيديو المنشور، حسب منصات دولية، تبين أنه مولد بواسطة الذكاء الاصطناعي، إذ احتوى على عدة عيوب، منها ما يظهر مثل قطرات ماء، وهو أمر شائع في الفيديوهات المولدة بالذكاء الاصطناعي. كما نشر فيديو آخر على منصات التواصل الاجتماعي المختلفة، وحصد آلاف المشاهدات، منها 21 ألف مشاهدة على منصة "إكس"، و103 آلاف مشاهدة على "إنستغرام"، ويحتوي حساب "تيك توك" الذي نشر المقطع على فيديو آخر على الأقل يحتوي على مواد مولدة بالذكاء الاصطناعي. ويزعم فيديو انتشر على نطاق واسع على "تيك توك"، وحصد أكثر من 210 آلاف مشاهدة، أن مراسلة صحافية تغطي الحدث من منطقة الفيضان، وتقف على طريق رئيسي وسط مياه تصل إلى ركبتيها، وتتحدث عبر الميكروفون قائلة: "في العاصمة، تحولت الشوارع إلى بحيرات اليوم، والناس محاصرون في منازلهم، والسيارات غارقة تحت الماء. الوضع صعب للغاية. يا رب ارحمنا". فيديوهات من أحداث سابقة حصد أحد الفيديوهات حول فيضانات المغرب أيضا أكثر من 6 ملايين مشاهدة على "تيك توك"، ويظهر عشرات الأغنام تجرفها المياه، علما ألا علاقة للفيديو بالفيضانات الحالية في المغرب، حيث يعود تاريخه إلى 2020 على الأقل. ويظهر المقطع 74 رأسا من الأغنام تجرفها الفيضانات في إرغيش التركية، إذ استخدمت وسائل إعلامية الفيديو في تقاريرها في نهاية يونيو وبداية يوليوز 2020. وهو ليس الفيديو الوحيد الذي استعمل حول فيضانات المغرب من أحداث سابقة، لكنه نموذج شهير. الدافري: الجيوش الافتراضية تحركها الاستخبارات الجزائرية قال الإعلامي أحمد الدافري، في تصريح لـ"الصباح"، إن ما يسمى بـ "الذباب الإلكتروني" الموجه من الجزائر، ليس ظاهرة رقمية عابرة، بل هو منظومة رقمية مهيكلة تخدم أجندة عسكرية محددة، تتغذى على عقيدة الحقد والضغينة تجاه المغرب، فالجيوش الافتراضية، التي يتم تحريكها بجهاز الاستخبارات، باتت تتكاثر بشكل سرطاني في كل مناسبة يقترن فيها اسم المغرب بالنجاح، أو حتى بالأزمات الطبيعية، محاولة بكل ما أوتيت من إمكانيات "فبركة" الصور وتزييف الحقائق وترويج خرافات من أجل الإساءة للمملكة وشعبها. وفي الوقت الذي شهد فيه المغرب فيضانات في مناطق الشمال والغرب، انبرت هذه الآلة الدعائية بكل وقاحة لتسفيه العمل الجبار والاحترافي الذي قامت به السلطات المغربية، والتي نجحت عبر مخططات إجلاء استباقية دقيقة في الحفاظ على أرواح المواطنين وضمان سلامتهم، في مشهد جسد مرة أخرى قوة الدولة المغربية وقدرتها على تدبير الأزمات بذكاء وهدوء. ولا ينفصل الهجوم المسعور عبر شبكات التواصل الاجتماعي والمنصات الرقمية عن سياق عام يحكم تفكير النظام الجار، الذي يرى في كل نجاح مغربي، سواء كان دبلوماسيا أو اقتصاديا أو رياضيا، تهديدا مباشرا لشرعيته المتآكلة، فحين يمر المغرب بلحظات رخاء أو ينجح في تنظيم تظاهرات كبرى تبهر العالم، يستنفر "الذباب" أدواته للتشكيك والتقزيم. وحين يواجه المغرب تحديات الكوارث الطبيعية، ينتقل إلى مرحلة الاستثمار الدنيء في المأساة، محاولا زرع بذور اليأس والتذمر بترويج إشاعات كاذبة عن تقصير مزعوم، في محاولة بائسة لضرب الاستقرار النفسي للمغاربة وهز ثقتهم في مؤسساتهم. والمثير للسخرية في هذا المشهد، هو أن هذا الذباب الإلكتروني، ومن يقف وراءه، ينشغل بمتابعة منسوب المياه في أودية المغرب، بينما يغمض عينيه عن المآسي الكارثية التي يعيشها الشعب الجزائري الشقيق، ففي الوقت الذي كان فيه المغرب يسخر المروحيات لإنقاذ المواطنين بكرامة، كانت مناطق واسعة في الغرب الجزائري تغرق في فيضانات كاسحة خلفت ضحايا في الأرواح وخسائر مادية جسيمة، تاركة المواطنين وجها لوجه مع الوحل والنفايات في غياب تام لأي دعم مؤسساتي. إن هذه الحرب الإعلامية القذرة التي تشنها منصات الجارة الشرقية، تعكس في جوهرها حالة من الاستلاب النفسي والعجز عن مجاراة النموذج المغربي الصاعد، فالمغرب، بمؤسساته القوية وتلاحمه المجتمعي، بات يشكل نكسة نفسية للنظام الجزائري الذي يفضل الهروب نحو الأمام بصناعة الأوهام و"فبركة" الأكاذيب، وتصدير أزماته الداخلية وإشغال الرأي العام الجزائري عن واقعه المزري، في وقت يخرج فيه المغرب دوما من كل الاختبارات التي يواجهها أكثر قوة وتماسكا.