مخاطر غياب تخطيط التوسع العمراني فوق مجاري الأنهار في كتابه "المقدمة" أوصى العلامة ابن خلدون ببناء المدن قرب الأنهار من أجل توفير المياه العذبة. لهذا توجد في المغرب المقابر في مواقع استراتيجية بجانب كل مصب، وتقع مراكش على نهر وهي محاطة بسهول شاسعة. وتقع الرباط على مصب نهر "أبي رقراق". وتقع الدار البيضاء في مصب نهر "بوسكورة". تصب الأنهار في أفضل شواطئ المغرب. والسبب في ذلك أن المدن بنيت في المجرى المائي كما هو حال أكادير. بل إن أرقى أحياء الدار البيضاء، كالمعاريف وعين "الدياب"، بُنيت في المجرى الذي جف مرحليا. لذلك ظل تهديد الأنهار والوديان المنسية دائما قائما، خاصة خلال السنوات والمواسم المطيرة. وفي تقديمه لكتاب "نهر أم الربيع: الذاكرة والتاريخ" للباحث لحسن رهوان، أشار الكاتب عبد الكريم جويطي إلى أن "النهر شخصية تاريخية فاعلة ينتمي إلى ما يسميه مؤرخو مدرسة الحوليات بالأمد الطويل، أي ذلك الحضور التاريخي الفاعل وفق استمرارية تاريخية لا تتأثر بصعود أو سقوط السلالات الحاكمة ولا بنتائج المعارك الفاصلة أو غيرها من الحوادث الظرفية، إنه معطى جغرافي يدخل مسرح التاريخ بما أن الناس يختارون تشييد العمران البشري بالقرب منه ويتفاعلون معه يوميا". واعتبر جويطي أن "الحضارات الإنسانية الأولى قامت على ضفاف الأنهار والبحيرات، كان الإنسان الأول في حاجة للماء كمادة حيوية لاستمرار الحياة ولتوفير قوته عن طريق زراعة ما حولها ورعي قطعانه في المناطق الرطبة المعشوشبة التي ترفدها الأنهار بالحياة، وتضمن تجددها الدائم، منحت الأنهار أيضا لهذا الإنسان غذاء دائما تمثل في الأسماك بالأساس وبعض الطيور التي وفرت له بعض حاجياته من البروتينات الحيوانية كما سمحت له هذه الأنهار وبسفن صغيرة مرتجلة أن يرتحل من مكان لمكان آخر وحركت بداخله هواجس المغامرة وارتياد الآفاق". وأضاف صاحب "المغاربة" أن "الإنسان حاول من البدايات أن يدجن الأنهار مثلما دجن بعض الحيوانات"، أي "فعل ذلك بالأساطير المؤسسة أولا ثم بالمعارف التقنية فابتكر السفن والجسور وآليات رفع الماء.. وكانت الأنهار دوما فاعلا لا غنى عنه في حياة الناس وفي متخيلهم وتاريخهم، بدليل أنه لا يمكننا أن نتحدث عن حضارات الهلال الخصيب القديمة الآشورية والبابلية مثلا دون استحضار دور دجلة والفرات، كما أن الكلام عن الحضارة الفرعونية لا يستقيم دون ذكر نهر النيل العظيم". في المقابل لا يخلو الاستقرار البشري بالقرب من مصادر المياه من خطورة، خاصة إذا غاب التخطيط لمسار التوسع العمراني، فوق الأودية الجافة التي سرعان ما تستعيد ذاكرتها، وتمحو ذاكرة البشر الذين استوطنوا مجاريها. عزيز المجدوب