محادثات تنفيذ القرار الأممي بشأن قضية الصحراء شهد مسار البحث عن تسوية نهائية للنزاع الإقليمي المفتعل حول قضية الصحراء المغربية، على أساس مبادرة الحكم الذاتي، تطورا مهما، بالمحادثات التي احتضنها مقر السفارة الأمريكية في مدريد، 8 فبراير الجاري، بحضور وفود برئاسة وزراء خارجية المغرب والجزائر وموريتانيا وممثلي انفصاليي "بوليساريو"، تحت إشراف الولايات المتحدة الأمريكية والأمم المتحدة. بقلم: حسن عبد الخالق(*) ذهب العناد بالنظام في الجزائر إلى أنه حاول، بدون جدوى، التأثير على إدارة الأمم المتحدة لتزوير ترجمة القرار 2797 الصادر بالإنجليزية، بتغيير كلمة "الأطراف" بـ "الطرفين"، قاصدا بذلك المغرب و"بوليساريو"، للتملص من الجلوس إلى طاولة المفاوضات، وإخفاء حقيقة أنه الطرف الأصيل في خلق وتغذية النزاع المفتعل حول قضية الصحراء، ما أدى إلى تأخير صدور الترجمات الرسمية للغات الأخرى المعتمدة في الأمم المتحدة لمدة 24 يوما. أطروحة "بوليساريو" المتجاوزة في سياق السعي إلى التملص من النتائج المحتملة لمحادثات تنفيذ القرار 2797، سبق لـ "بوليساريو" المدعوة أن أعلنت، بأوامر من النظام الجزائري، أنها لن تشارك في أي مفاوضات تنحصر في الحكم الذاتي، وادعى المدعو غالي، بعد عودة ممثليه من محادثات واشنطن، وقبل انطلاق محادثات مدريد، أن "بوليساريو" لا يمكنها، بأي حال من الأحوال، أن تحل محل الشعب الصحراوي المزعوم في قراره النهائي حول مستقبله، مروجا مجددا أطروحة الاستفتاء، القائم على عملية تحديد الهوية، التي أقبرها مجلس الأمن في قراراته منذ 20 سنة، ودعواته المتوالية إلى الحل السلمي والواقعي، معتبرا، في قراره الأخير 2797، أن مواصفات هذا الحل تكمن في مقترح الحكم الذاتي. غير أن الولايات المتحدة وضعت، في دعمها جهود الأمم المتحدة لإنهاء الجمود في الملف، جميع الأطراف أمام استحقاق تنفيذ القرار 2797، الذي "أهاب بالأطراف إلى الشروع في المناقشات، دون شروط مسبقة، على أساس مقترح الحكم الذاتي الذي قدمه المغرب، بهدف التوصل إلى حل نهائي تقبله الأطراف، وسلم بأن الحكم الذاتي الحقيقي، يمكن أن يشكل حلا من الحلول الأكثر قابلية للتطبيق، وشجع الأطراف على طرح أفكار تدعم التوصل إلى الحل النهائي"، ما يفيد أن أي حل لن يكون خارج الحكم الذاتي في ظل السيادة المغربية. وضمن هذا التوجه، شكلت محادثات مدريد، التي استمرت يومين في مقر السفارة الأمريكية، بداية الحسم في مسار إيجاد الحل، بأن قدم فيها المغرب مبادرة الحكم الذاتي المفصلة، وتقرر أن تستأنف الأطراف المحادثات الشهر المقبل، على أن تقوم لجنة تقنية من هذه الأطراف، بإشراف أممي وأمريكي، بإعداد اتفاق إطار يتضمن عناصر الحل المنشود، قد يكون جاهزا خلال السنة الحالية. تعزيز موقف المغرب بالدعم الدولي توجه المغرب إلى محادثات مدريد، مدافعا عن شرعية موقفه القائم على حل النزاع المفتعل بنظام الحكم الذاتي، في إطار سيادته الوطنية ووحدته الترابية، معززا بالقرار التاريخي 2797 لمجلس الأمن، الصادر في 31 أكتوبر الماضي، الذي يسمو، في كل بنوده، بمبادرة الحكم الذاتي على المقاربات المتجاوزة للحل، وتأييد تلك المبادرة من أكثر من ثلثي دول العالم، من بينها كل الدول الأعضاء في الاتحاد الأوربي، الذي اعتبر في بيانه، لمناسبة انعقاد مجلس الشراكة مع المغرب، في 29 يناير الماضي، أن "حكما ذاتيا حقيقيا قد يمثل أحد أكثر الحلول قابلية للتطبيق" من أجل التسوية النهائية للنزاع الإقليمي، متبنيا الدعوة التي وجهها مجلس الأمن إلى جميع الأطراف "للمشاركة في المحادثات دون شروط مسبقة، وعلى أساس مخطط الحكم الذاتي الذي اقترحه المغرب، من أجل التوصل إلى حل سياسي نهائي". وقبل انطلاق محادثات مدريد ،عزز المغرب أيضا سيادته الاقتصادية في الأقاليم الجنوبية، التي تجسدت في تشجيع القوى الاقتصادية الكبرى الاستثمارات في هذه الأقاليم والمبادلات التجارية معها، بإعلان السفارة الأمريكية في الرباط، في 7 فبراير الجاري، عن توقيع اتفاقية استثمارية كبرى بين الحكومة المغربية وتحالف دولي (أورنكس (ORNX يضم شركات أمريكية وإسبانية وألمانية، لإطلاق مشروع ضخم لإنتاج الأمونيا منخفضة التكلفة بالعيون، باستثمار أولي يصل إلى 4.5 ملايير دولار، في إطار إنتاج الطاقة الخضراء وجعل الأقاليم الجنوبية قطبا اقتصاديا وإستراتيجيا في التحول الطاقي العالمي، وحاضنة للاستثمارات الدولية في مجال الطاقات النظيفة. اندحار أطروحة النظام الجزائري بالمقابل، شارك النظام الجزائري في محادثات مدريد في غمرة توالي اندحار أطروحته لضرب وحدة المغرب الترابية وتنامي عزلته الدولية، وسوء علاقاته الخارجية في محيطه الإقليمي في منطقة الساحل والصحراء، ورفض عضويته في تكتل "بريكس"، وتعبير الولايات المتحدة الأمريكية، في شخص رئيس مكتب شؤون الشرق الأوسط في وزارة خارجيتها، روبرت بالادينو، أخيرا، عن قلقها من وتيرة شراء الجزائر الأسلحة الروسية، ملوحا بأن "الإدارة الأمريكية قد تفرض عقوبات عليها، بسبب شرائها مقاتلات حربية روسية، العام الماضي"، بموجب قانون مواجهة خصوم أمريكا "كاتسا"، مشيرا بذلك إلى شراء مقاتلات الجيل الخامس الروسية من طراز "سو-57 إي". وتزايد شعور النظام الجزائري بالعزلة باستبعاده من قبل الإدارة الأمريكية، الأسبوع الماضي، من لائحة الدول التي حضرت الاجتماع الوزاري في واشنطن حول المعادن الإستراتيجية، علما أنه سبق لسفيره صبري بوقدوم، أن عرض على أمريكا تعاونا سقفه السماء، يشمل الموارد الطبيعية والمعادن النادرة. الإرهاب يلاحق انفصاليي "بوليساريو" قبل محادثات مدريد، تعمق انكسار أطروحة الانفصال، بتنامي دعم المنتظم الدولي لمبادرة الحكم الذاتي في إطار السيادة الدولية، وتلويح بعض المشرعين الأمريكيين باحتمال استصدار قانون بوصف "بوليساريو" تنظيما إرهابيا، من قبيل دعوة السيناتور الجمهوري الأمريكي جو ويلسون، والنائب الديمقراطي جيمي بانيتا، في مقترح قانون، السنة الماضية، إلى فرض عقوبات على "بوليساريو"، المدعومة من الجزائر، طبقا لمقتضيات قانون ماغنيتسكي للمساءلة عن انتهاكات حقوق الإنسان، وتصنيفها منظمة إرهابية أجنبية بموجب قانون الهجرة والجنسية، في حالة عدم موافقتها على الحكم الذاتي. كما اعتبر السيناتور الأمريكي تيد كروز، أخيرا، في جلسة استماع في مجلس الشيوخ، حول مكافحة الإرهاب في شمال إفريقيا ومنطقة الساحل، أن إيران تعمل على تحويل جبهة "بوليساريو" إلى قوة وكيلة إقليمية، محذرا من أن التعاون المزعوم بين الجماعة الانفصالية والشبكات المدعومة من إيران يمثل تهديدا أمنيا متزايدا للولايات المتحدة وحلفائها. محاولة الجزائر إبقاء النزاع بلا حل رغم ما يواجهه من ضغوط، سيسعى النظام الجزائري إلى عدم التجاوب مع المد العالمي الداعم لمبادرة الحكم الذاتي والانخراط تلقائيا في الدينامية التي يوفرها القرار 2797، للإسراع بإيجاد الحل المرتقب في إطار السيادة المغربية، محاولا مواصلة الإساءة إلى المغرب واستفزازه، لاختلاق وقائع جديدة، والمضي، مثل ما فعل في الماضي، في تمطيط الوقت والتسويف، وإبقاء الملف في خانة "اللاحل"، غير أن طبيعة محادثات مدريد، التي جرت بحضور الوفد الأمريكي، تختلف عن المائدتين المستديرتين اللتين أشرفت عليهما الأمم المتحدة، بمفردها، في دجنبر 2018 ومارس 2019 في جنيف، باعتبار أن واشنطن ترى أنه حان الوقت لطي هذا النزاع، وأكد المستشار الرئاسي مسعد بولس، المشرف، إلى جانب دي ميستورا، على هذه المحادثات أن حل قضية الصحراء المغربية يعد من مصلحة الولايات المتحدة الإستراتيجية، مشددا على التزام واشنطن بدعم مقترح الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية حلا عادلا ونهائيا. وأعلنت الولايات المتحدة أنها لا ترغب في أن يظل النزاع المفتعل مصدرا لتوترٍ قد يهدد الاستقرار الإقليمي في شمال إفريقيا والساحل، والإستراتيجية الأمريكية لمكافحة الإرهاب، والمصالح الأمريكية الحيوية في القارة الإفريقية. يد المغرب الممدودة للجزائر المفترض أن يقترن السعي إلى الطي النهائي للنزاع المفتعل على أساس تثبيت السيادة المغربية، بإحداث انفراج في العلاقات المغربية الجزائرية، التي عمق النظام الجزائري تأزيمها بعدائه لمصالح المغرب وقطعه العلاقات الدبلوماسية ومنع الطائرات المغربية أو المسجلة في المغرب من المرور في الأجواء الجزائرية، وفرض تأشيرة الدخول على المغاربة. والمؤكد أن أي وساطة لتطبيع العلاقات بين البلدين ستجد التجاوب من المغرب، على قاعدة سياسة اليد الممدودة إلى الأشقاء في الجزائر، التي التزم بها جلالة الملك، مقترحا عليهم، قبل أكثر من سبع سنوات، في ذكرى المسيرة الخضراء لـ 2018، إحداث آلية سياسية مشتركة للحوار والتشاور، يتم الاتفاق على تحديد مستوى التمثيلية بها، وشكلها وطبيعتها، مؤكدا انفتاح المغرب على الاقتراحات والمبادرات التي قد تتقدم بها الجزائر، بهدف تجاوز حالة الجمود التي تعرفها العلاقات بين البلدين الجارين الشقيقين. وحرص جلالة الملك على أن تظل علاقات المغرب مع الجزائر مطبوعة بحسن الجوار، بقوله في خطاب الذكرى الثانية والعشرين لعيد العرش (2021) "أؤكد لأشقائنا في الجزائر، بأن الشر والمشاكل لن تأتيكم أبدا من المغرب، كما لن یأتیکم منه أي خطر أو تهديد؛ لأن ما يمسكم يمسنا، وما يصيبكم يضرنا، لذلك، نعتبر أن أمن الجزائر واستقرارها، وطمأنينة شعبها، من أمن المغرب واستقراره". والمؤكد أن المغرب، الذي يرى في القرار 2797، تعبيرا عن الشرعية الدولية، وعنصر الحسم في تثبيت وحدته الترابية، يتطلع إلى أن يحترم الأشقاء في الجزائر هذه الشرعية بالانخراط في المساعي الجدية لإنهاء النزاع المفتعل حول صحرائه بحل لا غالب فيه ولا مغلوب، يحفظ ماء وجه جميع الأطراف وأن تكون الشرعية الدولية والمصالح المشتركة للشعبين المغربي والجزائري أساس تنظيم وتطوير العلاقات بين البلدين الجارين. (*) سفير سابق .