تكثيف حملات المراقبة كشف فروح المحجوب، رئيس الجمعية المغربية لحماية وتوجيه المستهلك بالعيون، أن الطلب المتزايد على بعض المواد الأساسية يدفع فئة من التجار والباحثين عن الربح السريع إلى اللجوء لأساليب ملتوية تمس بجودة وسلامة المنتجات المعروضة للبيع، خاصة مع اقتراب شهر رمضان وارتفاع وتيرة الإقبال على المواد الغذائية والاستهلاكية، لتتجدد المخاوف المرتبطة بظاهرة الغش التي تجد في هذا الموسم أرضية خصبة للانتشار، مستغلة حاجة الأسر وحرصها على تلبية متطلبات المائدة الرمضانية. وأوضح المحجوب أن مواد مثل التمور، الزيوت، الدقيق، العسل، التوابل، وبعض المعلبات، تعرف أشكالا متعددة من الغش، تتراوح بين خلط الجيد بالرديء، وتغيير تواريخ الصلاحية، وإعادة تعليب منتجات منتهية أو مجهولة المصدر، إضافة إلى عرض سلع لا تحترم شروط التخزين الصحية، ما يشكل خطرا حقيقيا على صحة المستهلكين. وأشار المتحدث إلى أن خطورة هذه الممارسات لا تتوقف عند الجانب الصحي فقط، بل تمتد إلى ضرب الثقة في السوق الوطنية والإضرار بالتاجر النزيه، مؤكدا أن المستهلك يبقى الحلقة الأضعف في معادلة يغيب فيها أحيانا الوعي الكافي بحقوقه وسبل التبليغ عن التجاوزات، ودعا رئيس الجمعية إلى ضرورة تكثيف حملات المراقبة من قبل المصالح المختصة، خاصة خلال الأسابيع الأولى من شهر رمضان، مع تفعيل العقوبات الزجرية في حق المخالفين دون تساهل. كما شدد على أهمية دور المستهلك نفسه في التحلي باليقظة، وتفادي اقتناء المواد مجهولة المصدر أو المعروضة بأسعار مشبوهة، مع الإبلاغ الفوري عن كل حالات الغش. * (رئيس جمعية لحماية المستهلك) تعزيز ثقافة الاستهلاك الواعي اعتبر إلياس السلامي، تاجر متخصص في العسل، أملو، زيت الأركان، زيت الزيتون، أن الإقبال الكبير الذي تعرفه هذه المواد، خاصة مع اقتراب شهر رمضان، حولها إلى «سلع مغرية» للبعض، حيث أصبح الغش فيها أكثر تعقيدا وخفاء، ولا يقتصر فقط على خلط المواد أو تغيير الأسماء، بل يمتد إلى التلاعب في المصدر، والترويج لمنتجات على أنها طبيعية أو بلدية، في حين أنها مصنعة أو مخلوطة بمواد تقلل من قيمتها الغذائية دون علم المستهلك. ويشير السلامي إلى أن الزيوت الطبيعية، وعلى رأسها زيت الأركان وزيت الزيتون، أصبحت عرضة لممارسات تسيء لسمعتها في السوق، من خلال خلطها بزيوت أقل جودة أو مستوردة، ثم تسويقها بأثمنة منخفضة تجذب الزبناء، لكنها في الواقع تضرب مبدأ المنافسة الشريفة وتضر بالتجار الذين يلتزمون بالجودة والمسؤولية. ويرى السلامي أن أخطر ما في هذه الظاهرة صعوبة اكتشافها من قبل المستهلك العادي، خاصة في غياب المعرفة الدقيقة بالفروق بين المنتج الطبيعي والآخر المغشوش، وهو ما يستدعي، حسب تعبيره، تعزيز ثقافة الاستهلاك الواعي، وتشجيع المواطن على اقتناء هذه المواد من مصادر موثوقة ومعروفة. كما دعا المتحدث إلى ضرورة مواكبة التجار الصغار والمنتجين المحليين، وحمايتهم من الممارسات غير القانونية، التي تهدد استمرارية حرف تقليدية مرتبطة بالهوية الغذائية المغربية، مؤكدا أن محاربة الغش لا تتطلب فقط المراقبة والزجر، بل أيضا تثمين الجودة والصدق في التعامل مع المستهلك. * (تاجر العسل والزيوت ) استقاهما: عبد الجليل شاهى (أكادير) مسؤوليات متقاسمة هذا الشهر الفضيل المفترض أن يكون موسما للقيم والأخلاق، يتحول لفترة سوداء للمستهلك بسبب تفشي مظاهر الغش في مواد الاستهلاك. وفي ذلك أمثلة صادمة وما نرصده ميدانيا كل سنة يرقى لاعتداء ممنهج على صحة المواطنين وحقوقهم الأساسية. من بين الأمثلة الصارخة إعادة عرض لحوم غير صالحة للاستهلاك بعد تغيير لونها بالتوابل، وبيع أسماك مجمدة على أنها طازجة، والتلاعب في تاريخ الصلاحية لبعض مواد الحليب والعصائر، وخلط العسل بمواد سكرية، وتسويق "الشباكية" و"السفوف" بمواد رخيصة وخطيرة صحيا، والنقص المتعمد في الوزن ورفع الأسعار بشكل غير مبرر. هذه الممارسات تنتشر خصوصا في الأسواق العشوائية ونقاط البيع غير المراقبة، إذ تعرض في الأسواق غير المهيكلة مواد غذائية فاسدة أو منتهية الصلاحية ويتم التلاعب في الأوزان والجودة والأسعار، وتسوق منتجات مجهولة المصدر في غياب أدنى شروط السلامة الصحية. والأخطر من ذلك استغلال ضعف المراقبة أحيانا، وتواطؤ الصمت في أحيان أخرى، ما يشجع على التمادي في هذه الممارسات التي تهدد صحة آلاف الأسر المغربية. وأمام هذا الوضع، فإن المسؤولية جماعية ومتقاسمة، فالسلطات العمومية مطالبة بتكثيف المراقبة الميدانية، خاصة ليلا وتشديد العقوبات الزجرية ونشر نتائجها للعلن لردع المتلاعبين، كما أن التجار والمهنيين مدعوون إلى احترام أخلاقيات المهنة، لأن الربح السريع على حساب صحة المستهلك خيانة للأمانة. إننا في الحركة الاستهلاكية نرفض أن يبقى المستهلك الحلقة الأضعف، ونطالب بتشديد المراقبة الميدانية، وتفعيل العقوبات الزجرية دون أي تهاون أو انتقائية، مع إعلان نتائج المراقبة للرأي العام. كما ندعو المواطنين إلى اليقظة والتبليغ عن كل أشكال الغش، لأن السكوت عنه مشاركة فيه. إن معركة حماية المستهلك في رمضان هي معركة كرامة وعدالة اجتماعية، ولن تتوقف إلا بسوق نزيهة يقدم فيها الربح المشروع على الجشع، وصحة المواطن على كل اعتبار. إن حماية المستهلك في رمضان ليست ترفا ولا شعارا موسميا، بل معركة نضالية من أجل الحق في غذاء سليم وسوق عادلة تحترم كرامة المواطن المغربي. * (نائب رئيس الهيأة الوطنية لجمعيات حماية المستهلك) ظاهرة مركبة يشكل شهر رمضان في مجتمعنا فضاء اجتماعيا مميزا، تتكثف فيه القيم الدينية والأخلاقية والتكافل الاجتماعي. غير أنه يشهد مفارقة اجتماعية لافتة، تتمثل في تنامي وانتشار ممارسات الغش في المواد الاستهلاكية، سواء من حيث الجودة أو الوزن أو الأسعار أو تاريخ الصلاحية. وتطرح هذه الظاهرة إشكالا سوسيولوجيا يتجاوز التفسير الأخلاقي البسيط، ليكشف عن اختلالات بنيوية أعمق داخل المجتمع. من منظور سوسيولوجي، يرتبط انتشار الغش خلال شهر رمضان بتحول الشهر إلى موسم استهلاك مكثف، حيث يرتفع الطلب بشكل كبير تحت ضغط العادات الاجتماعية وتمثلات “مائدة رمضان” بوصفها رمزا للوفرة والكرم. هذا الارتفاع المفاجئ في الطلب يؤدي إلى اختلال في العلاقة بين العرض والطلب، ما يدفع بعض الفاعلين الاقتصاديين إلى استغلال الظرفية لتحقيق أرباح سريعة، أحيانا بوسائل غير مشروعة. وفي هذا السياق، تطغى الانتهازية الاقتصادية ومنطق الربح على الاعتبارات الأخلاقية، فيتحول الغش إلى ممارسة عادية داخل السوق.كما تساهم هشاشة القدرة الشرائية لشرائح واسعة من المجتمع في تعميق هذه الظاهرة، إذ يجد المستهلك نفسه مضطرا إلى البحث عن الأسعار الأقل، ما يجعله أكثر عرضة للغش. لهذا لا يعد الغش في المواد الاستهلاكية خلال شهر رمضان سلوكا فرديا معزولا، بل هو ظاهرة اجتماعية مركبة تعكس تداخل عوامل اقتصادية وقيمية ومؤسساتية، ما يستدعي مقاربة شمولية تقوم على تعزيز الوعي الاستهلاكي، وتفعيل الرقابة، وإعادة الاعتبار للقيم الأخلاقية في الممارسة اليومية. * (باحث في علم الاجتماع). استقاهما: حميد الأبيض (فاس)