مرحبا بكم في بلجيكا: لا تحتاج إلى دليل سياحي لسبر أغوار مدن "قلب الاتحاد الأوربي"، إذ يكفي أن تمشي قليلا في الشوارع لتكتشف أن الحياة هادئة في ظاهرها، ودقيقة في تفاصيلها، ومليئة برسائل خفية لمن يعرف كيف يقرأ الإيقاع الأوربي. في بروكسيل، لا يبالغ المغاربة حين يطلقون نكتتهم الشهيرة: "المغاربة حاكمين بلجيكا". جملة تتردد بخفة على المقاهي وفي محطات القطار، لكنها تحمل في عمقها حقيقة تتشكل كل يوم أمام العين، فمن يراقب المشهد عن قرب، سيلاحظ أن المغربي لا يمر مرور العابرين، بل حاضر في كل مكان. وحيثما وليت وجهك، تصادف مغربيا يدير مشروعا، أو يزاول مهنة، أو يهرول نحو موعده بدقة بلجيكية لا تخطئ. وإذا كانت بلجيكا تعرف بنظامها الصارم، فإن المغاربة يثبتون أنهم الأكثر قدرة على التعايش مع هذا النظام دون أن يفقدوا روحهم المرحة. لذلك لا يكتفون بالمشاهدة من بعيد، بل يدخلون إلى قلب الأحداث، ويتفاعلون معها. وطيلة الأسبوع الماضي، عاشت بعض المدن البلجيكية على وقع شلل جزئي في حركة السير، والسبب إضراب من نوع "هاي كلاس" للحافلات لا يشبه ما نعرفه في المغرب، ولا يحمل الفوضى التي تجعل المواطن يتعامل مع كل صباح وكأنه امتحان مفاجئ في الصبر. قررت النقابات البلجيكية التوقف عن العمل لأسباب عديدة، أبرزها رفضها نية الحكومة رفع ثمن التذكرة، معتبرة أن ذلك يمس القدرة الشرائية للبلجيكيين، ففي بلجيكا، لا يترك المواطن وحيدا في مواجهة الأسعار، ولا تمرر القرارات بسهولة. الغريب أن الإضراب في بلجيكا لا يصنع مشهدا فوضويا، بل مشهدا من الصمت المنظم، فلا ازدحام في المحطات، ولا عراك على الأبواب، وكل شيء يحدث وكأنه جزء من سيناريو مكتوب. طبعا، حافلات بلجيكا لا تشبه حافلات البيضاء إلا في اللون الأصفر، فهناك، يستطيع الراكب أن يعرف مسبقا وقت وصول الحافلة بالدقيقة، وأن يتتبع مسارها عبر تطبيق هاتفي. أما داخل الحافلة فإن الركاب يتعاملون مع الحافلة كما لو أنها جزء من ممتلكاتهم الشخصية، فلا أحد يرفع صوته، ولا أحد يفتح فيديوهات هاتفه بصوت مرتفع. ورغم قرار الإضراب، لم تترك المدينة بلا نبض، إذ توجد حافلات للحالات الطارئة، وتوجد حلول بديلة صنعتها البلديات بسرعة، إذ خصصت "تروتينات" ودراجات هوائية بثمن رمزي، تحولت في أيام قليلة إلى نجمة الشارع البلجيكي. في بلجيكا "المغربية"، لا تكتفي الجالية بمراقبة هذه المشاهد، بل تعيشها وتعيد تفسيرها بطريقتها. المغربي الذي يضحك من عبارة "حاكمين بلجيكا"، يعرف في قرارة نفسه أن الحكم الحقيقي ليس منصبا ولا كرسيا، بل القدرة على التأقلم، وعلى النجاح داخل نظام يكره الفوضى. للتفاعل مع هذه الزاوية: mayougal@assabah.press.ma