ليلة ربانية للذكر في دكالة وتنقية الذات استعدادا لاستقبال "سيدنا رمضان" بقلوب صافية تعد "شعبانة" مناسبة مهمة في الموروث الجماعي لأهل دكالة، فهي لمة الأحباب والجيران التي تحكمها طقوس متجذرة في الوجدان، يتم إحياؤها عادة في النصف الثاني من شهر شعبان، وتسبقها استعدادات يضبطها كناش تحملات رسخت تفاصيله، عادات متعارف عليها انتقلت بأدق تفاصيلها إلى الأجيال المتعاقبة. ومن المهم أن نلاحظ أن "شعبانة" التي شكلت لحظة هامة في ترسيخ الهوية الوطنية زمن الحماية الفرنسية، استمرت بعد الاستقلال لكن بتجليات مختلفة، ظلت تتراجع بشكل لافت للانتباه، حد أن إحياءها اليوم بربوع دكالة، هو اجتهاد محصور للحيلولة دون انقراضها، ما يحيل على سؤال هام، هل لازالت "شعبانة" اليوم بلمسة الماضي؟ فبالعودة إلى ما قبل تسعينات القرن الماضي، كانت "شعبانة" بكل ربوع دكالة مناسبة سنوية يحرص الكثيرون من الأهالي على إحيائها، وكانت النساء من يتولين الإعداد لها بعناية خاصة، لأنها العتبة الزمنية التي تحيل على طلعة شهر رمضان، وكانت الاستعدادات عادة تبدأ بفكر تعاوني بين نساء الحي، لتنقية المنازل ضمن ما كان يسمى بـ"التخمال" الكبير وصنع حلويات، وكانت "شعبانة" محركا لسوق العطارين بسوق علال القاسمي، خاصة الإقبال الكبير على مواد زينة النساء من سواك وحناء وحركوس وقرنفل والعكر الفاسي، ومستلزمات "التفوسيخة الكبرى"، وكان مجرد الحديث عنها إشارة زمنية قوية إلى أن شهر الصيام بات على الأبواب . لا زلنا نذكر أن "شعبانة زمان" في بعض أحياء الجديدة، كانت مخلصة لطريقة " جيلالة"، حيث كانت ليلة للجذبة و"التحيار"، تنشطها فرق تعتمد على القصبة أو العوادة والبنادير، وتتردد فيها أغاني السواكن والملوك وتصدح فيها الأصوات إلى عنان السماء طالبة العفو " عاري عليك أعايشة"، وتعد "شعبانة" التي كان يحييها " مبارك الجغل" بحومة البركاوي في حضرة ولد سلام، لحظة جذبة لتفريغ ضغوط نفسية، تصل حد إحداث جروح وندوب على الجسم بواسطة سكاكين وكؤوس من الزجاج وشرب الماء الساخن وأكل الزجاج، لقد كان الأمر رهيبا رسخ صورة نمطية لـ"شعبانة" بأنها لحظة تعذيب الذات ومن خلالها النفس الأمارة بالسوء . مقابل ذلك وفي صورة أخرى كانت "شعبانة" لمة نسائية، تؤثثها"الفاقيرات" بترديد أمداح وأذكار، وتنتهي بوجبة عشاء أطباق كسكس بالقديد والمساخن أو أطباق من الرفيسة بالدجاج البلدي، ترافق ذلك كؤوس من الشاي الممزوج بجوزة الهند والزعفران الحر، ولم يكن مسموحا للأطفال الصغار حضور مثل هذه المجامع لأنها حكر على الكبار فقط . واليوم تغيرت العادات المرافقة لـ"شعبانة" بدكالة، إذ تراجعت "تاجيلاليت" لتفسح المجال مشرعا أمام " تاعيساويت"، وفي هذا الصدد صرح محمد زكي عشماوي، مقدم الطائفة القادرية العيساوية بأزمور، أن إحياء "شعبانة" بالجديدة وأزمور، أضحت تحكمه طريقة ربانية بعيدة عن مظاهر الشعوذة، وزاد " ففي ليلتها نحرص على الأذكار والصلاة على النبي وترديد قصائد من السماع والمديح والملحون، على إيقاع " الغيطة"، ونظرا لصغر مساحة الزوايا نقلنا نشاطنا إلى قاعات كبرى كمسرح محمد سعيد عفيفي أو بعض القاعات الخاصة، وعادة يستغرق الاحتفال بـ"شعبانة" مدة ثلاث ساعات، في جو عائلي تؤثثه كؤوس شاي وحلويات تقليدية، وذلك لترسيخ صورة إيجابية عن الاحتفال بهذه المناسبة، أنها لحظة روحانية هامة، تسمو فيها المشاعر وتستعد لاستقبال رمضان الكريم بقلوب صافية". عبدالله غيتومي (الجديدة)