< د. خالد الحري بعد هذه الدورة السيزيفية المرهقة للجميع، من حقنا أن نطرح بعض الأسئلة المهمة للوطن والتاريخ: ماذا استفادت "أمة" الصحافة والإعلام والناشرين والمقاولة الصحافية؟ ومن الخاسر الأكبر في العملية برمتها بعد مسار طويل من العبث والهدر؟ هل هو الصحافي الذي تتعثر مصالحه الحيوية، والمقاولة الإعلامية التي تتعرض إلى ضربات موجعة، أم السياسي والحزبي اللذين "يكيفان" مصالحهما ومواقفهما حسب الحاجة؟، ثم لماذا تصر بعض الأحزاب و"الحساسيات" السياسية والنقابية والمهنية التابعة لها على اعتبار قطاع الصحافة ملكا خاصا لها، وأصلا تجاريا ورثته مع المقرات والجرائد والمناضلين؟ وما سبب هذا التركيز الكبير على قوانين الصحافة والنشر؟ وهل تشتغل الأحزاب والهيآت والجمعيات بـ"النشاط" والجدية والإصرار نفسه مع باقي قضايا المواطنين الأخرى؟ ولماذا يصبح زعماء بعض الأحزاب أسودا ضارية ضد الصحافة والصحافيين، و"نعامات" في ملتمسات الرقابة ولجان التحقيق ضد "الفراقشية" وناهبي المال العام؟ إنها الأسئلة التي ينبغي أن تطرح بعيدا عن أوهام الاطمئنان الكاذب والانتصارات الجوفاء بعد صدور القرار رقم: 261/26 من المحكمة الدستورية حول مشروع قانون رقم 026.25 ، المتعلق بإعادة تنظيم المجلس الوطني، وبعيدا عن النوايا السياسية الحقيقية لبرلمانيين من المعارضة، يتفرغون، هذه الأيام، للصحافة، ويعتبرونها سورا قصيرا للتعويض النفسي عن الخسائر السياسية المتتالية التي تعرضوا لها في مجلسي النواب والمستشارين وباقي المواقع الأخرى في السنوات الأربع الماضية. ورغم أن قرار المحكمة الدستورية جاء منصفا للتوجهات العامة الواردة في المشروع الحالي والمصادق عليه في المجلسين، كما ثمن، ضمنيا، فلسفة التعيين للناشرين، وفق شروط معينة متمثلة في المواد 43 و44 و45، وكيفية انتخاب فئة الصحافيين من خلال الاقتراح الاسمي والأغلبية النسبية في دورة واحدة الواردة في المواد 22 و23 و24 و25، إضافة إلى تحسينات أخرى لفائدة المشروع جاءت بعد الإحالة الذاتية، ورغم كل كذلك، استمر حبل الكذب والتضليل في الواقع والمواقع، وتواصل التركيز الشديد على الصحافة والصحافيين، وتحول التدخل في شؤونهم وانتهاك استقلاليتهم والعبث بتنظيمهم الذاتي، إلى "روتين يومي"، وحملات انتخابية، وقنطرة لتصفية حسابات شخصية مؤجلة مع هذه الجريدة أو تلك، أو هذا الموقع، أو هذه القناة وأخرى. فلم يحدث أن تعرضت مهنة من المهن المنظمة إلى هذا القدر الكبير من التدخلات والاقتحامات، كما يحدث في حقل الصحافة والإعلام، إذ يبدو الهدف الظاهر والمروج له، هو الإصلاح ووضع قوانين تحمي التنظيم الذاتي، بينما الهدف غير المعلن، هو تكريس مزيد من التحكم والاحتكار والوضع تحت الحذاء. وهنا نقولها بشكل واضح: إن العقدة الوحيدة لبعض الأحزاب والكيانات السياسية (خارج القانون والمحكمة الدستورية) هي أن هناك جيلا جديدا، اليوم، من الصحافيين والناشرين، يقول "لا" كبيرة، ويرفع أمام الوجوه الشائخة، لافتات مكتوبا عليها بالبنط العريض "كفى". جيل يحمل شعار "ارحلوا" عن قطاع استرزقتم منه لعقود، ويؤسس لمرحلة جديدة من التنظيم الذاتي، لا مكان فيها إلا للصحافيين والمهنيين والناشرين الحقيقيين، دون وصاية، أو استغلال، أو ركوب على الأمواج. في الطريق، قد تخسر معركة، أو نزالا. لكن التاريخ لا يحتفظ سوى بالفوز النهائي.