أخبار 24/24

الصحافة في مهب تشريع سياسوي

لم يكن البلاغ الأخير الصادر عن “الجمعية الوطنية للإعلام والناشرين” مجرد بيان تواصل روتيني، بل جاء كصرخة مهنية في وجه “العبث” الذي طال مفاصل قطاع الإعلام في المغرب. فبين لغة الانتصار للشرعية الدستورية ونبرة التحذير من المناورات السياسوية، يضعنا البلاغ أمام مشهد معقد: مهنة تقاوم لتبقى، وطبقة سياسية تتهم بمحاولة تحويل “السلطة الرابعة” إلى مجرد ورقة في طاولة مفاوضات ضيقة.

في قلب هذا التحليل، يبرز قرار المحكمة الدستورية كحجر زاوية. إن تثمين الجمعية لهذا القرار ليس مجرد احتفاء قانوني، بل هو تأكيد على أن “التنظيم الذاتي” للمهنة ليس ترفا، بل هو خيار دستوري محصن. لقد قطعت المحكمة الطريق أمام محاولات التشكيك في شرعية المؤسسات المهنية، مما يعطي دفعة قوية للهياكل القائمة لمواصلة ترتيب البيت الداخلي للصحافة بعيدا عن التشويش.

إلا أن البلاغ ينتقل سريعا من “التثمين” إلى “الاتهام”، حين يسلط الضوء على “المنهج الانتقائي” لبعض الفاعلين السياسيين. فالسؤال الذي يطرحه الجسم الصحفي اليوم: لماذا تم استهداف قانون المجلس الوطني للصحافة بالطعن وحده دون غيره من القوانين الحيوية؟ الجواب، كما يراه الناشرون، يكمن في “حسابات غير بريئة” تسعى لتعطيل المسار المؤسساتي للقطاع لغايات لا تخدم المهنة ولا المهنيين.

إن أخطر ما كشف عنه البلاغ هو الكلفة الاجتماعية والمهنية لهذا “التعطيل الممنهج”. فالصحافة ليست مجرد نصوص قانونية، بل هي “حياة يومية” لمئات الصحافيين والموظفين. إن توقيف تسليم البطاقات المهنية وتأخير صرف أجور موظفي المجلس لشهور، يمثل سابقة تعكس استهتارا بالاستقرار الاجتماعي للقطاع.

علاوة على ذلك، فإن تجميد الاتفاقيات الجماعية التي كان من شأنها تحسين الدخل والوضعية الاجتماعية للصحافيين، يكشف أن “التعطيل السياسي” له أنياب حقيقية تنهش في أرزاق العاملين في المقاولات الإعلامية. هنا، تتحول الصحافة من شريك في البناء الديمقراطي إلى “رهينة” في يد تجاذبات سياسية لا ناقة لها فيها ولا جمل.

لقد كان البلاغ حاسما في ختامه حين استخدم استعارة “صندوق الرمل”. هي رسالة مباشرة لكل من تسول له نفسه تجريب “تكتيكاته السياسية” على جسد المهنة. فالجمعية الوطنية للإعلام والناشرين، وبصفتها الإطار الأكثر تمثيلية، تضع الجميع أمام مسؤولياتهم: الصحافة إما أن تكون قوية، مستقلة، ومستقرة مؤسساتيا، أو أنها ستتحول إلى ساحة لتصفية الحسابات، وعندها ستكون الخسارة وطنية بامتياز.

إن الاجتماع المرتقب الأسبوع القادم لأعضاء الجمعية لن يكون مجرد لقاء تشاوري، بل يبدو أنه سيكون نقطة تحول لاتخاذ قرارات ميدانية لحماية استقلالية المهنة. فالرسالة وصلت واضحة: قطار الإعلام لن ينتظر “هواة السياسة” لينهوا ألعابهم، لأن حق المجتمع في إعلام مسؤول هو أسمى من أي أجندة حزبية أو شخصية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

انت تستخدم إضافة تمنع الإعلانات

نود أن نشكركم على زيارتكم لموقعنا. لكننا نود أيضًا تقديم تجربة مميزة ومثيرة لكم. لكن يبدو أن مانع الإعلانات الذي تستخدمونه يعيقنا في تقديم أفضل ما لدينا.