الباحث أبيهي يفكك الأبعاد التاريخية للحدث الكروي قال الباحث محمد أبيهي إن المحطة الكروية الأخيرة، التي احتضنها المغرب كشفت عن خلفيات ذهنية وخطابية مؤسسة على عقد تاريخية متجذرة، ينبغي على الدولة والنخب الواعية التوقف عندها وتحليلها بعمق. فالخطاب الإعلامي الجزائري والمصري مثلا، الذي دشن تحت عنوان "المؤامرة التحكيمية"، لم يكن سوى امتداد لثقافة تبريرية ترفض الاعتراف بالهزيمة، وتعجز عن ممارسة النقد الذاتي، فتلوذ دائما بفكرة الاستهداف الخارجي والعدو المتخيل. وأضاف أستاذ التاريخ المعاصر والراهن بجامعة محمد الخامس بالرباط، أن تداعيات هذه الصراعات الإعلامية مؤسسة على إرث استعماري شتت شعوب القارة، وخلف صراعات حدودية اكتست أبعادا سياسية وإيديولوجية، ولا تزال تغذي التوترات وتعيق مسارات التعاون والتنمية المشتركة داخل الفضاء الإفريقي منذ تحررها من قبضة الاستعمار. أزمة وعي تابع أبيهي أن هذا النوع من الخطاب لا يسيء فقط إلى المنافسة الرياضية، بل يعكس أزمة أعمق في الوعي السياسي والتاريخي للشعوب المغاربية، حيث تتحول الرياضة إلى ساحة لتصفية الحسابات الرمزية، وتغذية الشعبوية، وإعادة إنتاج خطاب الضحية بدل الاستثمار في تطوير المنظومات الرياضية والتكوينية. وهنا يظهر الفارق بين من يتعامل مع الرياضة، باعتبارها مشروعا إستراتيجيا طويل النفس، ومن يراها مجرد مناسبة عابرة لتسجيل المواقف أو تسويق الأوهام بخلفيات تاريخية. واعتبر عضو الجمعية المغربية للمعرفة التاريخية أن هذه السجالات تكشف جانبا من أسباب تأخر القارة الإفريقية في مواكبة المستجدات الدولية، سواء على مستوى الاحتراف الرياضي أو الحكامة أو تطوير البنيات التحتية. فبدل الانخراط في نقاش جاد حول سبل الارتقاء بكرة القدم الإفريقية، يتم استنزاف الطاقات في معارك إعلامية عبثية، تعمق جراح الانقسام بين الشعوب الإفريقية وتكرس منطق المؤامرة بدل منطق العمل والتراكم. درس تاريخي وثقافي وشدد المتحدث نفسه أن الدرس الحقيقي الذي ينبغي استخلاصه من هذه التجربة ليس كرويا محضا، بل درس تاريخي وثقافي بامتياز: فالأمم التي تتقدم هي تلك القادرة على تحويل المنافسة إلى فرصة للتعلم، والانتصار والهزيمة إلى محطتين لبناء المستقبل، لا إلى ذريعة للهروب من المسؤولية وتعليق الفشل على شماعات جاهزة. فكرة القدم، في جوهرها، ليست مجالا للصراع أو لتغذية الأحقاد، بل فضاء للتقارب بين الشعوب، في إطار من الاحترام المتبادل والتنافس النزيه، لا أداة لتشتيت وحدة المصير المشترك لشعوب القارة الإفريقية. فقارتنا ما تزال تعاني تأخرا تنمويا بنيويا، يعود في جزء كبير منه إلى مخلفات الاستعمار، والحروب الأهلية، والانقلابات السياسية، وما رافقها من هدر للطاقات وتعطيل لمسارات البناء، رغم أنها تزخر بثروات طبيعية هائلة. واعتبر رئيس مركز موكادور للدراسات والأبحاث، أن المغرب قدم درسا في التنظيم المحكم، وحسن التدبير، واحترام الضيوف، وتوفير شروط المنافسة، بما يعكس رؤية واضحة تعتبر الرياضة رافعة للتنمية ووسيلة لتعزيز الحضور القاري والدولي، لا مناسبة للعبث الإعلامي أو الاستثمار الإيديولوجي الضيق. غير أن هذا النجاح يفرض على الدولة المغربية وعيا إستراتيجيا بأن هناك أطرافا وأعداء يتربصون بالمغرب، ويسعون إلى إفشاله بكل الوسائل المتاحة، من خلال حملات التشويش، والتشكيك، وصناعة السرديات العدائية. النموذج المغربي خلص أبيهي إلى أن الرهان الحقيقي لا يقتصر على الدفاع عن هذا النموذج خارجيا، بل يتطلب بالأساس تقويته داخليا، فالضرورة تقتضي تعميم هذا النموذج ليشمل مختلف جهات وأقاليم المملكة، بما فيها الهوامش والمجالات القروية، فهو يشكل صمام الأمان الحقيقي لتنمية الوطن. فمغرب قوي من الداخل، بعدالة مجالية، وتنمية متوازنة، ومؤسسات ديمقراطية ناجعة، هو وحده القادر على تحصين نفسه أمام هذه المؤامرات، وتحويل الاستهداف الخارجي إلى فرصة جديدة لتثبيت مشروعه التنموي الشامل وتعميمه على أطراف المغرب غير النافع. عزيز المجدوب