المناولة الإستراتيجية عبد الواحد كنفاوي تعكس بنية نسيج المقاولات بالمغرب الصاعدة مفارقة هيكلية عميقة تستوجب اهتمام المحللين وصناع القرار الاقتصادي، وتتعلق بالتباين الصارخ بين ديموغرافيا المقاولات والقدرة على إنتاج الثروة. ففي الوقت الذي تشكل فيه المقاولات الصغيرة جدا والمتوسطة العمود الفقري للنسيج الاقتصادي من ناحية عددها وقدرتها على توفير مناصب الشغل، تظل القيمة المضافة الإجمالية رهينة قبضة عدد محدود من المقاولات الكبرى، ما يطرح علامات استفهام كبرى حول توازن الأداء الاقتصادي واستدامته. وبالرجوع إلى معطيات المرصد المغربي للمقاولات الصغرى والمتوسطة، نجد أن المقاولات متناهية الصغر تمثل 86.6 في المائة من العدد الإجمالي، وإذا أضيفت لها المقاولات الصغيرة جدا والصغرى والمتوسطة، فإن النسبة ترتفع إلى 98.5 في المائة من إجمالي الوحدات الإنتاجية القانونية، وهي بذلك تعتبر الخزان الأول لفرص الشغل والآلية الأساسية للإدماج الاجتماعي. لكن المعطيات ذاتها تعبر عن وجه آخر للحقيقة، إذ أن المقاولات الكبرى، التي لا تتعدى نسبتها 0.5 في المائة من العدد الإجمالي، تستحوذ على أكثر من 63 في المائة من رقم المعاملات الإجمالي و64.7 في المائة من القيمة المضافة المنتجة. هذا التركيز يؤكد تمركز الرساميل والتكنولوجيا وإمكانيات الولوج إلى الأسواق الدولية في يد نخب محدودة من المقاولين، بينما تظل الغالبية العظمى من المقاولات الصغيرة تكافح في قطاعات ذات قيمة مضافة منخفضة وخدمات محلية محدودة الأثر. إن هيمنة الكبار على القيمة المضافة، رغم التفوق العددي للصغار، تنعكس بشكل مباشر على حيوية الاقتصاد الوطني، من خلال ضعف الإنتاجية الإجمالية، إذ عندما تظل الأغلبية الساحقة من الشركات تعاني ضعف التمويل والرقمنة ونقص الخبرات التدبيرية، فإن الإنتاجية الإجمالية للاقتصاد تتباطأ، فالمقاولات الصغيرة جدا، رغم كثرتها، لا تملك في الغالب القدرة على الاستثمار في البحث والتطوير، ما يحد من الابتكار الوطني. الانعكاس المباشر لهذا التركيز يتجلى، أيضا، في ارتهان النمو بقطاعات محدودة، إذ يؤدي إلى جعل النمو الاقتصادي هشا، لأنه يرتبط بأداء عدد قليل من المجموعات الكبرى، وعليه فإن أي أزمة تصيب هذه الشركات القيادية قد تؤدي إلى انكماش اقتصادي واسع، نظرا لغياب طبقة وسطى من المقاولات قوية وقادرة على امتصاص الصدمات. كما ينعكس التركيز أيضا على الفوارق في الأجور والفرص، التي تتسع أكثر، إذ تتركز الوظائف عالية الأجر والخبرات التقنية في المقاولات الكبرى المستحوذة على القيمة المضافة، بينما يظل الأجراء في المقاولات الصغيرة جدا عرضة لهشاشة سوسيو-اقتصادية، ما يجعلنا أمام اقتصاد بسرعتين. إن الإشكالية الحقيقية لا تكمن في قوة المقاولات الكبرى، بل في عجز المقاولات الصغيرة جدا عن النمو لتصبح مقاولات متوسطة أو كبرى. غياب جسر الانتقال من مستوى إلى آخر أكبر يحرم الاقتصاد من دينامية الانتقال، إذ تظل المقاولات الصغيرة معاقة بسبب عوائق ضريبية وتمويلية أو إدارية، ما يمنعها من المساهمة الفعالة في إنتاج القيمة المضافة. إن تحقيق الإقلاع الاقتصادي الحقيقي يتطلب الانتقال من منطق دعم المقاولات الصغرى من أجل البقاء إلى منظور تأهيلها من أجل إنتاج القيمة. لا يمكن للاقتصاد أن يطير بجناح قوي تشكله المقاولات الكبرى وجناح آخر مثقل بالأعباء ممثلا في المقاولات الصغيرة جدا. إن الرهان يكمن، حاليا، في بناء منظومة تسمح بمرور الثروة والخبرة من الكبار إلى الصغار عبر المناولة الإستراتيجية وتحفيز الابتكار، لضمان توزيع أكثر عدالة للقيمة المضافة وتحويل التعدد العددي للمقاولات الصغرى إلى قوة ضاربة في نسيج الإنتاج الوطني.