"الشتا والقوادس" أسوأ ما يقع في المغرب، بعد سنوات عجاف من الجفاف والقحط، أن يضطر المغاربة لرفع دعاء "اللهم اعطنا الشتا على قد القوادس". لقد انتهت حلول الأرض، ولم يتبق سوى التوجه إلى السماء لطلب "الرحمة"، والكف عن الأمطار، حتى لا يتعرض المواطنون إلى مزيد من الأضرار، بسبب المياه الجارفة التي تغرق الطرقات والممرات والبنيات التحتية، وتزحف على واجهات العمارات ومداخل المنازل وتتدفق إلى الطوابق السفلى، حيث مواقف السيارات وممتلكات السكان. المغرب، البلد الوحيد ربما، الذي يخاف فيه مواطنوه من الأمطار إذا زادت عن حدها، بينما يعتبرها آخرون نعمة من السماء، إذ كلما زادت التساقطات، تحولت إلى ربح وحصاد وفرص للتخزين الحقيقي، وثروة مائية مجانية يمكن استغلالها في باقي فصول السنة. ولأن الأمر لا يحدث عندنا بهذا الذكاء البيئي، يضع المغاربة أياديهم على قلوبهم، ويطلبون الله أن يخفف المنازل، خوفا من انهيار المنازل على الرؤوس، أو الغرق وسط البرك والوديان و"الضايات" المشكلة وسط الشوارع والتقاطعات، وتحت القناطر والأنفاق في مشاهد متكررة، تضع مستعملي الطريق في فوهة خطر جسيم. وبجولة صغيرة، صباح أمس (الأحد)، بعدد من المدن والمراكز الحضرية وجنبات التجمعات السكنية الكبرى (تصرف ملايير الدراهم سنويا على بنياتها التحتية وقنوات الصرف الصحي والصيانة الدورية)، يمكن أن نقف على حجم الفضيحة. ونرى كيف تفضح أمطار "الخير" أساليب "الشر"، ومدلسي الصفقات العمومية، وأصحاب مشاريع "الحديد الرقيقة"، والغش والتدليس في البنيات التحتية، كما تكشف أساليب النصب والتواطؤ في تسليم مشاريع غير مكتملة. وفي بعض المناطق، تسببت الأمطار في محو طرق وقناطر وتجهيزات "فنية"، كأنها لم تكن يوما هناك، أو لم يصرف على تشييدها من المال العام، ولم تخضع إلى دراسات مسبقة، ولا إلى دفاتر تحملات وصفقات عمومية ولجان فتح أظرفة ولجان للتتبع والمراقبة. وأمام كل هذا الذي يقع اليوم في المغرب من مشاريع لـ"الغرق"، لا ندري متى تتحرك لجان المراقبة والتفتيش والمجالس الجهوية للحسابات وهيآت الرقابة على المال العمومي وتتبع مسارات الصفقات العمومية؟ كما لا نعرف مصير آلاف التقارير التي تنجز حول مشاريع البنيات التحتية، ومصير الأموال التي تهدر على عمليات رصد الاختلالات والتجاوزات، دون أن نرى ما يقابلها في مستوى تحسين منظومة الأداء والتدبير، إذ كلما مر تفتيش من جماعة، أو مؤسسة، إلا وارتفع منسوب الفضائح. فمنذ أكثر من شهر، توفر الأمطار أرضيات "اشتغال" جيدة للبحث والتقصي في مشاريع البنيات التحتية وكيفيات إنجازها والمعايير المعتمدة والتجاوزات المسجلة بالعين المرئية، دون أن نسمع اعتقال رئيس جماعة، أو توقيف مدير شركة، أو توبيخا صارما صدر في حق رئيس قسم، أو مدير مديرية، أو أعضاء لجنة للمراقبة. ولأن البشر ينام في العسل، ويعيش في مناطق اطمئنان قصوى ضد ربط المسؤولية بالمحاسبة، فسنستمر في "الغرق" إلى ما لا نهاية، دون أن نقطع رجاءنا في الله، في أن يخفف ما نزل. ولله الأمر من قبل ومن بعد.