< د. خالد الحري لا معنى للفرح الوطني الكبير بملايير الأمتار المكعبة من مياه الأمطار، التي تهاطلت على المغرب في الأيام الماضية، دون استثمار جيد في هذه الثروة الطبيعية المجانية، وحمايتها من الهدر والضياع وفوضى التدبير، كما كنا نفعل في السنوات الأخيرة بـ"امتياز". فبعد سنوات عجاف من الجفاف والقحط والقفر واليباس، التي أوصلتنا إلى حافة الانهيار والعطش المزمن والانقطاعات المتتالية في المدن، وأزمات بنيوية حادة بالقطاع الفلاحي وتربية المواشي، وصلت حد إلغاء شعيرة الذبح في عيد الأضحى الماضي. وبعد الجدب الماحق الذي لحق بالفرشات المائية والآبار والخزانات الجوفية الاحتياطية، تجود السماء بكميات كبيرة من المياه في فترات متقاربة، نقلت السدود من نسبة لم تكن تتجاوز، في أحسن مواسم الأمطار السابقة، 28 في المائة، إلى أكثر من 45، وهي سابقة في عشرين سنة الماضية، ما يعتبر مكسبا وطنيا كبيرا، ينبغي الاشتغال عليه بمنطق الرأسمال القابل للتطوير، وليس بمنطق الربح المجاني (أي حاجة فابور تمشي فابور). فحين يستعمل مسؤول عبارة "تفريغ الفائض" من المياه ببعض الأحواض والسدود التي وصلت إلى نسبة ملء بـ100 في المائة، دون تقديم أي توضيحات إضافية حول مصير هذه المياه "الفائضة"، فهذا يعكس نوعية من التفكير تكتفي بتدبير ما هو كائن، ولا تعير أي اهتمام لما هو ممكن. ولا يفهم من "التفريغ" أن بعض السدود المغربية في حالة جيدة، ووصلت إلى نسبة قصوى من الملء، فرضت هذا الإجراء الوقائي، حتى لا تتعرض إلى الانفجار، بل ينبغي أن يفهم في إطار إشكالية بنيوية وخيمة تعانيها هذه المنشآت الإستراتيجية، وتتعلق بتراكم الأوحال والنفايات التي تقلص قدرتها التخزينية. إن الأرقام التي ترصدها مراكز الدراسات في البيئة والتنمية المستدامة والمناخ، حول الهدر المائي وملايين الأمتار المكعبة التي تأتي من السماء، وتذهب مباشرة إلى البحر، أو تفيض عن السدود وتضيع بين الصخور والأودية والشعب الجافة، هي أرقام يجب أن ترهبنا جميعا. وتحدثت الأرقام الرسمية الصادرة عن وزارة التجهيز نفسها عن واقع مغربي مخيف، مؤكدة أن 80 مليونا و200 ألف متر مكعب من أمطار المياه، التي تساقطت على المغرب، خلال الأسابيع الماضية، ضاعت في البحر، ما يمثل خسارة كبيرة، تمثل أزيد من 5 في المائة من إجمالي الكميات التي تهاطلت، وتناهز ضعفي الاحتياجات السنوية لسكان العاصمة الرباط من المياه. والمفارقة أن الوزارة نفسها استثمرت 80 مليون درهم، في السنوات الأخيرة، لإنشاء برامج لحصاد الماء، في عدد من المدن والأقاليم، تضم خزانات و"مطفيات"، ومشاريع لتجميع مياه الأمطار عبر الأسطح، وعتبات لتطعيم الفرشات المائية، دون أن تؤتي أكلها، إذ ضاعت 80 مليون درهم، وضاعت معها، أيضا، أكثر من 80 مليون متر مكعب من مياه الأمطار. وبهذه القدرات الفائقة والمزدوجة على الهدر المالي والمائي، لم نضيع اللبن وحده.. بل أضعنا الصيف أيضا.