الأمطار تفضح هشاشة "المجانية" بالبيضاء وتكرس غياب "العدالة" لم يحتج فضاء المشجعين المجاني المخصص لكأس إفريقيا للأمم بحي الألفة في البيضاء إلى أكثر من ساعات قليلة من الأمطار الغزيرة، حتى يعلن عجزه عن الاستمرار، ففي الساعة الخامسة من عصر السبت الماضي، فوجئ القادمون إلى المكان بلافتة كبيرة مثبتة عند المدخل تعلن «إغلاقا استثنائيا نظرا للتحذيرات الجوية وحرصا على سلامة الجماهير»، لتنتهي بذلك تجربة كان يفترض أن تفتح أبواب المتعة الكروية أمام فئات واسعة من المشجعين، خصوصا من ذوي الدخل المحدود. فضاء بلا حماية يقع الفضاء في منطقة مفتوحة وخالية، قريبة من مقر الأرصاد الجوية، وهو اختيار زاد من علامات الاستفهام لدى عدد من الزوار، الذين اعتبروا أن الموقع كان أول مؤشرات الهشاشة، فمع أول التساقطات، تحولت الأرضية الترابية إلى برك من الأوحال، جعلت الولوج إلى الفضاء أو التنقل داخله شبه مستحيل، قبل أن يتخذ قرار الإغلاق. ويحكي أحد المشجعين، أنه قصد الفضاء لمتابعة إحدى المباريات، حيث اكتشف أن «الأرض صارت زلقة وخطيرة، والأحذية تغوص في الوحل، ولم يعد ممكنا الوقوف أو الجلوس»، مضيفا أن «الإغلاق كان متوقعا، لكن السؤال لماذا لم يكن متوقعا لدى المنظمين؟». وحاول المنظمون، في وقت سابق، تهيئة الأرضية عبر الاستعانة بآليات «طراكس» لتسويتها وضغطها، في مسعى لجعلها صالحة لاستقبال الجماهير، إلا أن هذه الحلول بدت مؤقتة وسطحية، إذ سرعان ما انهارت أمام الأمطار، لتبقى الآليات نفسها رابضة في المكان، شاهدة على فشل الاستعداد المسبق لسيناريو معروف في مدينة شهدت تساقطات مطرية غزيرة. ويرى متتبعون أن الاعتماد على أرضية ترابية دون تغطية أو تجهيزات وقائية، في تظاهرة قارية بحجم كأس إفريقيا للأمم، يكشف خللا في التخطيط أكثر مما يعكس طارئا مناخيا. مقارنة تفضح الفوارق غير بعيد عن فضاء المشجعين المجاني، يوجد آخر مخصص للمشجعين بمنطقة القطب المالي، ورغم تشابه الغاية، إلا أن الفوارق بين الفضاءين بدت صارخة، فالفضاء الثاني مؤدى عنه، مغطى، ويتوفر على بنية تحتية تحمي الزوار من تقلبات الطقس، ما مكنه من استقبال المشجعين بشكل عاد، وسط أجواء احتفالية ومريحة. ويقول أحد الزوار إن «الفرق لا يتعلق فقط بالأمطار، بل بالإمكانات»، موضحا أن «من يملك ثمن التذكرة يجد دائما حلا، أما من يعتمد على الفضاء المجاني فيبقى رهينة الطقس وسوء التجهيز». وبالنسبة إلى عدد من الفعاليات الجمعوية في المنطقة، فإن إغلاق الفضاء المجاني لا يمكن فصله عن سؤال العدالة الاجتماعية في تنظيم التظاهرات الكبرى، ففضاءات المشجعين يفترض أن تكون متنفسا للجميع، يضمن متابعة المباريات لمن لا يستطيع ولوج الملاعب أو الفضاءات المؤدى عنها. ويعتبر المتحدثون أن ما حدث بحي الألفة يعكس شكلا من الإقصاء غير المعلن، حيث يتحول عامل طبيعي، مثل الأمطار إلى حاجز إضافي أمام فئة من الجماهير، في وقت كان بالإمكان تفادي ذلك باختيار مواقع أفضل، أو تجهيز الفضاءات المجانية بتغطية وأرضيات مناسبة. كما أعاد هذا الإغلاق النقاش حول معايير اختيار مواقع فضاءات المشجعين، ومدى إدماج المعطيات المناخية واللوجستية في التخطيط، وطرح تساؤلات حول الجهة المسؤولة عن ضمان تكافؤ الفرص بين مختلف الجماهير، حتى لا تتحول المتعة الكروية إلى امتياز مرتبط بالقدرة على الأداء. وبين لافتة «الإغلاق الاستثنائي» والأوحال التي خلفتها الأمطار، وجد مشجعو حي الألفة أنفسهم خارج أجواء البطولة، في انتظار مراجعة لكيفية تدبير فضاءات مستقبلا قادرة على الصمود أمام تقلبات الطقس. خ. ع