جرائم التلاعب بالشيكات تطرق أبواب محاكم سوس ماسة تستقبل قاعات محاكم جهة سوس ماسة، اليوم، قضايا الشيكات لا باعتبارها نزاعات مالية عابرة، بل ملفات جنائية ثقيلة تحولت إلى مسرح مفتوح لقصص نصب محكمة، وخداع مدروس، وسقوط ضحايا وثقوا في ورقة تحمل توقيعا وختما. ففي كل أسبوع تقريبا، تدرج ملفات جديدة تتعلق بإصدار شيكات بدون رصيد، أو التلاعب في مبالغها، أو استعمالها وسيلة للاحتيال المنظم، في مشهد صارخ يعكس كيف انتقل الشيك من أداة أداء وضمان إلى سلاح أبيض اقتصادي يستعمل لاصطياد الضحايا وضرب الثقة في عمق المعاملات المالية. في جهة سوس ماسة، تتكرر السيناريوهات نفسها بأشكال مختلفة، وعود شراكة مغرية، صفقات تجارية تبدو قانونية، معاملات سريعة تحسم بتوقيع شيك، قبل أن ينقلب المشهد رأسا على عقب لحظة اصطدام الضحية بالحقيقة القاسية داخل وكالات البنوك، الشيك بدون مؤونة، عندها تبدأ رحلة طويلة بين الشكايات، الاستدعاءات، التحقيقات،والجلسات القضائية، في انتظار عدالة قد تأتي متأخرة، لكن بثمن نفسي ومالي باهظ. عدد من القضايا المعروضة حاليا على محاكم الجهة تكشف حجم الجرأة التي بلغها المتلاعبون، ففي أحد الملفات الثقيلة، يواجه متهم تهم إصدار عدة شيكات بمبالغ خيالية فاقت مليار سنتيم، استعملت لاستدراج تجار بأسواق إنزكان ومقاولين بدعوى الاستثمار أو تزويد السلع، قبل أن يتوارى عن الأنظار، تاركا خلفه ضحايا غارقين في الديون ومذكرات بحث متعددة. هذه القضية وحدها أعادت إلى الواجهة سؤالا مقلقا، كيف تحولت الثقة إلى ثغرة يستغلها محترفو الاحتيال؟ وفي ملف آخر لا يقل تعقيدا، تجد المحاكم نفسها أمام نزاع تجاري عائلي تحول إلى معركة قضائية بسبب شيكات قُدمت ضمانات داخل شركة، ليتبين لاحقا أنها خالية من الرصيد، وسط اتهامات متبادلة بالتزوير وسوء النية ومحاولة توريط أطراف بريئة. قضايا من هذا النوع تكشف أن التلاعب بالشيكات لم يعد حكرا على النصب البسيط، بل دخل مرحلة الاحتيال المركب الذي يوظف المعرفة القانونية والثغرات الإجرائية. والخطير في هذه الجرائم، حسب متتبعين، أنها لا تضرب الضحية المباشرة فقط، بل تربك الدورة الاقتصادية برمتها، فالتاجر الذي يتلقى شيكا بدون رصيد قد يعجز عن أداء التزاماته، والمقاول قد يفقد مشروعه، ورب الأسرة قد يجد نفسه ملاحقا بسبب دين لم يكن في الحسبان، وهكذا، يتحول الشيك من وسيلة لتسهيل المعاملات إلى قنبلة اجتماعية صامتة. وكثفت الأجهزة الأمنية والنيابات العامة بجهة سوس ماسة، خلال الفترة الأخيرة، تدخلاتها في هذا النوع من الملفات، خاصة عندما يتعلق الأمر بشبهات النصب والتدليس وسوء النية الواضحة، إذ لا تقتصر التحقيقات على واقعة الشيك وحدها، بل تمتد إلى سياق تسليمه، والغاية منه، وطريقة استعماله، في محاولة لفرز النزاعات المدنية عن الجرائم الجنائية المقصودة. ورغم تعدد المتابعات والأحكام، يظل السؤال مطروحا بقوة، إلى متى ستظل الشيكات أداة مفضلة في يد المحتالين؟ وهل تكفي العقوبة الزجرية وحدها للحد من الظاهرة، أم أن الأمر يحتاج إلى ثقافة قانونية أوسع، وإعادة نظر في طريقة تعامل الأفراد والتجار مع هذه الورقة الحساسة؟ وتكشف جرائم الشيكات بجهة سوس ماسة عن أزمة ثقة حقيقية في المعاملات المالية، وواقع قانوني واجتماعي يستدعي الحزم والتوعية في آن واحد، ويتطلب جهودا متكاملة بين الجهات القضائية، الأجهزة الأمنية، والمجتمع المدني، ليس فقط لمعاقبة المتورطين، بل أيضا لتوعية المجتمع وتثقيفه حول مخاطر هذه الجرائم وسبل الوقاية منها. ومحاربة هذه الظاهرة لا تمر فقط عبر المحاكم والزنازين، بل عبر نشر الوعي، وتحصين المتعاملين، وإعادة الاعتبار لشيك يفترض فيه أن يكون وسيلة للأداء لا فخا. عبد الجليل شاهي (أكادير)