التساقطات الغزيرة كشفت المستور وفضحت الغش في البنيات التحتية والطرق والمجاري كشفت التساقطات الغزيرة، المستمرة في عدد من المدن والحواضر الكبرى، عن اختلالات عميقة في صفقات البنيات التحتية التي كلفت ميزانيات ضخمة من المال العام، بعدما تحولت طرق وشوارع حديثة الإنجاز إلى برك مائية، وتعرضت تجهيزات أساسية للانهيار الكلي أو الجزئي. وبينما استقبل المواطنون أمطار الخير بتفاؤل كبير، لما تحمله من آمال بإنعاش الموسم الفلاحي والتخفيف من آثار سنوات الجفاف، سرعان ما تحولت هذه الفرحة إلى فاجعة (وفيات ودمار بآسفي)، بعد أن غمرت المياه منازل ومتاجر ومحاور طرقية رئيسية، وتوقفت حركة السير داخل أنفاق وقناطر بمدن أخرى، لتكشف ضعف شبكات تصريف المياه، التي لم تصمد أمام أول اختبار حقيقي. وأظهرت هذه الأمطار هشاشة الأشغال المنجزة، وطرحت علامات استفهام كبرى حول مدى احترام دفاتر التحملات والمعايير التقنية المعتمدة، خاصة في مشاريع يفترض أنها خضعت لدراسات مسبقة ومراقبة صارمة. كما أعادت إلى الواجهة الحديث عن أساليب الغش والتلاعب التي ترافق بعض الصفقات العمومية، سواء عبر تسليم مشاريع غير مكتملة أو تقليص جودة المواد المستعملة. وبات واضحا أن بعض المتورطين في هذه الصفقات لا يخشون آليات الرقابة التقليدية، من افتحاصات إدارية أو تقارير المؤسسات الرقابية، بقدر ما يخشون "رقابة الطبيعة"، إذ أصبحت التساقطات المطرية بمثابة محك حقيقي يفضح عيوب المشاريع المغشوشة، ويكشف محدودية قنوات صرف صممت بأقل تكلفة وعلى حساب السلامة والجودة. وتتوفر الجهات الرقابية على ملفات لصفقات وُصفت بالمشبوهة، شابها التلاعب في طلبات العروض ودفاتر الشروط، أو جرى تفصيلها على مقاس مقاولات بعينها، تجمعها علاقات مصالح مع منتخبين ومسؤولين محليين، ما أدى إلى تضخيم الكلفة المالية وتجاوز الآجال القانونية للتنفيذ دون محاسبة فعالة. وفي عدد من المناطق، سبق أن تسببت تساقطات قوية في محو طرق وقناطر وتجهيزات بكاملها، وكأنها لم تكن قائمة، رغم ما رصد لها من اعتمادات مالية، ما يطرح تساؤلات حول غياب الدراسات التقنية القبلية، وضعف المراقبة أثناء الإنجاز ومسؤولية لجان التتبع والاستلام. ورغم أن الصفقات العمومية تخضع لإطار قانوني ينظمها، ويشمل آليات للرقابة الداخلية والخارجية، سواء من قبل الإدارة أو البرلمان أو القضاء، فإن استمرار هذه الاختلالات يكشف وجود ثغرات تشريعية وممارسات ملتوية، تستغل للإفلات من المحاسبة وتكريس منطق الريع. في الملف التالي، نرصد نماذج من سوء تدبير البنيات التحتية بمدن عرتها الأمطار. ي.س