نظرات ومشاعر متضاربة جمعت قيلش وزوجته المتابعة في الملف لم تكن قاعة غرفة الجنايات الابتدائية بقسم جرائم الأموال بمحكمة الاستئناف بمراكش، خلال جلسة الجمعة الماضي، مجرد فضاء قضائي عاد تتلى فيه الأسماء والتهم وتؤجل الملفات، بل تحولت إلى مسرح صامت تتقاطع فيه الأسئلة القانونية مع الإشارات الإنسانية، وتختلط فيه الإجراءات الصارمة بنظرات لا تخطئها العين، كما هو الحال لملف "بيع دبلومات الماستر"، الذي يتابع فيه أحمد قيلش، رفقة متهم آخر في حالة اعتقال، بالإضافة إلى زوجته ومتهمين آخرين يتابعون في حالة سراح. إعداد: محمد العوال (مراكش) الجلسة التي خصصت للنظر في هذا الملف، حضرت فيها أسماء باتت مألوفة للرأي العام، في مقدمتها أحمد قيلش، المتابع على خلفية الاشتباه في تورطه في شبكة يشتبه في استغلالها لمسارات التكوين الجامعي، وتحويل شهادات عليا إلى سلعة تتداول خارج منطق الاستحقاق الأكاديمي. إلى جانبه، حضرت زوجته، التي أدرج اسمها ضمن لائحة المتهمين، إلى جانب متهمين آخرين، تختلف مواقعهم القانونية بين الاعتقال والمتابعة في حالة سراح. محاكمة عن بعد من بين المتابعين في هذا الملف، متهم يوجد رهن الاعتقال بسجن أولاد تايمة، والذي جرى الاستماع إليه عن بعد في مشهد بات يتكرر في قضايا جرائم الأموال ذات الامتدادات الجغرافية المتعددة. حضور المتهم عبر تقنية التواصل عن بعد، أعاد إلى الواجهة النقاش حول تعقيد هذا الملف وتشعب خيوطه، التي لم تعد محصورة في مكان واحد أو في أسماء بعينها. ومع انطلاق الجلسة، بدا واضحا أن الحسم لن يكون في هذا الموعد القضائي. المتهم المعتقل عن بعد تقدم بطلب صريح إلى هيأة المحكمة، ملتمسا تمكينه من مهلة لتعيين محام ينوب عنه، جعل هيأة المحكمة ترجئ البت في هذا الملف، استجابة لطلب المتهم أحمد قيلش، الجالس في قفص الاتهام، والذي تبادل نظرات متقطعة مع زوجته. نظرات زوجين في ورطة لم تكن نظرات عابرة أو عفوية، بل حملت في طياتها الكثير من العتاب والأسئلة غير المنطوقة، وكأن كل طرف يبحث في ملامح الآخر عن إجابة لما جرى، أو عن تفسير لمسار انتهى بهما داخل قاعة محكمة الجنايات بدل فضاءات أخرى كانت بالأمس القريب جزءا من حياتهما اليومية. الزوجة، التي تتابع في هذا الملف إلى جانب زوجها، بدت متماسكة في ظاهرها، تتابع أطوار الجلسة في صمت، دون أن تخفي ارتباكا خفيفا بعدما ورد اسمها ضمن المناداة على المتهمين. حضورها داخل القاعة، إلى جانب صديقة لها، كانت تجلس بالقرب منها، أضفى على المشهد بعدا إنسانيا واضحا. ومع إعلان رئيس الهيأة، تأجيل الملف، انقسم المشهد إلى صورتين متوازيتين، زوجة أحمد قيلش غادرت قاعة المحكمة بهدوء، مرفوقة بصديقتها، دون الإدلاء بأي تصريح، مكتفية بخطوات سريعة ونظرات متحفظة. في الجهة المقابلة، عاد أحمد قيلش إلى مقعده داخل القاعة رفقة معتقلين آخرين يتابعون أطوار جلسات مختلفة، في انتظار ما ستسفر عنه الجلسات المقبلة من تطورات. قضية رأي عام لم تعد قضية "بيع دبلومات الماستر"، مجرد ملف معروض أمام القضاء، بل تحولت إلى قضية رأي عام تطرح أسئلة عميقة حول منظومة التعليم، ونزاهة الشهادات الجامعية، وحدود المسؤولية الجنائية في قضايا تمس ثقة المجتمع في مؤسساته. وبين قاعة المحكمة ومتابعة الرأي العام، تبقى الحقيقة رهينة بما ستكشفه المناقشات القضائية القادمة، في ملف يحمل معه العديد من الأجوبة. الملياردير الدرهم... لعنة جماعة المرسى بالعيون من الملفات التي تستأثر باهتمام الرأي العام، ملف محاكمة الملياردير حسن الدرهم، الرئيس السابق لجماعة المرسى بالعيون، و11 متهما يتابع بمعيته.. ويتابع في هذا الملف عدد من المسؤولين، من بينهم نائبا رئيس الجماعة (الأول والرابع)، عضوان بالمجلس، موظفان (أحدهما في حالة فرار)، ومستثمرون، بتهم تتعلق بـ"اختلاس وتبديد أموال عمومية، التزوير في محررات رسمية واستعمالها، أخذ أو تلقي فائدة، والمشاركة في هذه الجرائم"، كل حسب المنسوب إليه. وقرر قاضي التحقيق، عدم متابعة عضو جماعي لسقوط الدعوى العمومية في حقه، وعدم متابعة مهندس، ومقاولين، والقابض الجماعي، في هذه القضية التي تفجرت بعد إحالة شكاية على النيابة العامة المختصة بشأن وجود شبهة تلاعبات خطيرة في سندات الطلب والفواتير وبعض الأشغال وتعويضات التنقل ومصاريف الوقود. وقررت هيأة المحكمة تأجيل الملف إلى غاية تاسع يناير من السنة المقبلة. أموال في مهب الريح حسب المعطيات المستمدة من أمر الإحالة، فإن مجموعة من المبالغ المالية صرفت دون إنجاز الخدمات المرتقبة منها، حيث كشفت الأبحاث والتحقيقات أن مبلغ 1.500.000,00 درهم لا وجود لأي وثيقة في أرشيف الجماعة تبرر سند صرفه، إذ توصلت شركة متهم يوجد في حالة فرار بمبالغ مالية ضخمة تقدر بحوالي 400.000 درهم في إطار سندات الطلب، رغم أن هذه المقاولة غير موجودة أصلا، كما استفادت شركة أخرى من مبلغ 1000.000 درهم مقابل توريد مقتنيات تبين أنها غير موجودة. وأقر أحد المتهمين أثناء أطوار التحقيق أن إصدار سندات الطلب كان يتم خارج الجماعة ودون الخضوع للمساطر المعمول بها، وأن الموظفين والمنتخبين كانوا يستفيدون من تعويضات عن تنقلات وهمية، وأن مصاريف الوقود بين 2011 و2012 شكلت ما مجموعه 248.768 درهما، استفاد منها العديد من الأشخاص لا تربطهم أي علاقة بالجماعة الترابية المرسى العيون. صفقات كوب 22... التأجيل الأخير ملف آخر مازالت جولاته تتواصل، ويتعلق بملف صفقات "كوب 22" الذي يتابع على خلفيته كل من محمد العربي بلقايد العمدة السابق بمراكش ونائبه يونس بنسليمان، حيث تم تأجيل الملف من أجل الاطلاع على مذكرة تقدمت بها الجمعية الوطنية للدفاع عن حقوق الانسان وحماية المال العام.. واعتبرت هيأة الحكم أن هذا التأخير هو الأخير بعدما سبق وأن استمعت هيأة الحكم للمتهمين في جلسة سابقة. وكانت الجمعية الوطنية للدفاع عن حقوق الإنسان وحماية المال العام، التي يرأسها عبد الإله طاطوش، تقدمت بشكاية مفصلة، للوكيل العام للملك، حول تفويت عقارات في ملك الدولة بثمن بخس، خلال الفترة الممتدة ما بين 2016 و2018، عبر لجنة الاستثناءات التي كان يرأسها عبد الفتاح لبجيوي، الوالي الأسبق لجهة مراكش آسفي. وكشفت الجمعية. عن تواطؤ مجموعة من المنتخبين ورجال سلطة ومسؤولين ببعض المصالح الخارجية بمراكش، الذين عملوا على تفويت عقارات مملوكة للدولة بأثمان زهيدة، أو عبر كراء متوسط الأمد في أفق تفويتها، ظاهرها تشجيع الاستثمار وباطنها المضاربة في هذه العقارات. السطو على عقارات الدولة من خلال الوثائق التي حصلت عليها الجمعية، تبين أن مجموعة من العقارات المملوكة للدولة، كان مقررا أن تحتضن مشاريع ومرافق عمومية في إطار المشروع الملكي (مراكش: الحاضرة المتجددة)، قبل أن يتم كراؤها أو تفويتها لمنتخبين أو شركات يديرها أشخاص يقف خلفهم منتخبون استغلوا مواقعهم في المسؤولية واستعملوا سلطتهم ونفوذهم وحصلوا على هذه العقارات. وباشرت عناصر الفرقة الجهوية للشرطة القضائية أبحاثا تمهيدية، من خلال افتحصاص مختلف الوثائق المالية والإدارية الخاصة بإبرام الصفقات الخاصة بـ"كوب 22"، والاستماع إلى العديد من المصرحين، حيث خلصت الفرقة الجهوية في أبحاثها إلى أن اللجوء الصفقات التفاوضية بدل التنافسية، كان متعمدا لأن المسؤولين المذكورين كانوا على علم مسبق بمكان وزمان تنظيم المؤتمر، معتبرة أنهم استغلوا نفوذهم وأبرموا صفقات تفاوضية بأثمنة مرتفعة وأسندوها لفائدة مقاولين بعينهم. وبعد انتهاء الأبحاث التمهيدية، أحيل الملف على الوكيل العام لدى محكمة الاسئتناف بمراكش، الذي أحاله على قاضي التحقيق بالغرفة الثالثة، ملتمسا منه إجراء تحقيق مع المتهمين، واتخاذ ما يراه مناسبا، حيث قرر قاضي التحقيق متابعتهما في حالة سراح، قبل أن يصدر أمرا بإحالتهما على غرفة الجنايات الابتدائية المختصة بالنظر في الجرائم المالية، حيث توبع المتهم الأول من أجل تبديد أموال عامة موضوعة تحت يده بمقتضى وظيفته، والثاني من أجل المشاركة في تبديد أموال عامة موضوعة تحت يده بمقتضى وظيفته وانتحال صفة ينظمها القانون، وفقا لفصول المتابعة من القانون الجنائي.