المخرج المغربي يحكي لـ."الصباح" قصة مساره من الموسيقى إلى السينما قدم المخرج أحمد بولان فيلمه الروائي المطول "كازابلانكا دكار" الذي نزل إلى القاعات السينمائية الوطنية، ابتداء من أمس (الأربعاء). وجرى تقديم العرض ما قبل أول لهذا الشريط، الجمعة الماضي، بقاعة سينما "الريف" في البيضاء. في هذا الخاص يتحدث المخرج المغربي عن تجربته في مجال الإخراج والإنتاج والتمثيل، كما يفتح صدره ل"الصباح" في بوح تلقائي تحدث فيه عن جوانب من طفولته واختياراته الفنية، ومشاكله مع الرقابة وأشياء أخرى. إنجاز: عزيز المجدوب كان اللقاء بأحد مقاهي مراكش المقابلة لقصر المؤتمرات، حيث كانت أنشطة المهرجان الدولي للفيلم بمراكش، وتعرض أيضا أفلام الدورة، التي كان أحمد بولان حريصا على مشاهدة جلها. كانت أمامنا أقل من ساعة على بدء عرض فيلم الحصة الصباحية، حضر بولان في الموعد بالدقيقة والثانية، وعيناه على المداخل المؤدية إلى قاعات العروض. بدأنا الحديث عن مشاركته في فيلم "زنقة مالقا" للمخرجة مريم التوزاني وإنتاج زوجها المخرج نبيل عيوش، حيث شارك أحمد بولان بدور رئيسي في الفيلم الذي عرض ضمن فعاليات المهرجان، وخلف ردود أفعال طيبة. كان بولان ما زال منتشيا بالنجاح الذي حققه الفيلم، وهنا سألته عن سر اختياره الاشتغال في هذا الفيلم، فأجاب قائلا بأن علاقته بالمخرج والمنتج نبيل عيوش طيبة جدا، وسبق أن شارك معه في أكثر من فيلم، في أدوار ثانوية أو ضيف شرف، إلا أنه في هذه المرة اتصل به من أجل دور أهم، فوافق بولان على الفور، حسب قوله، وقبل حتى أن يقرأ السيناريو. وبرر بولان ذلك باقتناعه بجدية مشاريع عيوش السينمائية واحترافيته في التعامل، وهو الأمر الذي تأكد له بعد قراءته سيناريو العمل الذي يتناول حياة المسنين ومشاعرهم واحتياجاتهم، فصدقت توقعاته، إذ أعجب بالموضوع، كما فوجئ بالدور المسنود إليه، وحجم المساحة الممنوحة له ضمن العمل، وهو ما حتم عليه الاستعداد والاشتغال بكل جدية من أجل أن يكون في مستوى الثقة التي وضعت فيه. ومن الصعوبات التي واجهها بولان في دوره بفيلم "زنقة مالقا"، كما يحكي ذلك في حديثه مع "الصباح"، أنه وجد نفسه مطالبا بالتحدث باللغة الإسبانية، التي لم يكن يجيدها كثيرا، لكن في المقابل فهو يتحدث الإيطالية والإنجليزية والفرنسية، كما أن قرب اللغة الاسبانية من الإيطالية سهل عليه المأمورية، خاصة أنه اشتغل في السنوات الأخيرة في العديد من الأعمال السينمائية، فاضطر إلى حفظ مقاطع الحوار بشكل حرفي وصوتي، كما استفاد من توجيهات المخرجة مريم التوزاني وإدارتها للممثل ليعبرا بالدور والأداء إلى بر الأمان. أما عن الجانب النفسي في الدور فقد قال بولان إنه لا يولي أهمية كبرى لهذا الجانب في الاشتغال على الشخصيات التي يؤديها، لأنه بكل بساطة يتصرف في حياته وفي التمثيل بكل عفوية وعلى سجيته وبدون تصنع، لذا فإنه يعتبر التمثيل امتدادا لشخصيته الطبيعية، ولا يذهب بعيدا في التعمق في الجوانب النفسية للشخصية، بل يحاول في المقابل فهم أبعاد الدور ليمنحه صبغته الخاصة ويؤديه بشخصيته الواقعية التي يعرفها الناس. ويرجع بولان أسلوبه في التمثيل إلى المدارس التي تأثر بها في الأداء، من خلال اشتغاله في السينما العالمية، تحت إدارة مخرجين عالميين (أمريكيون وإيطاليون وإسبان) قال إنه استفاد كثيرا منهم، ويضيف أنه لم يأت من ما يسميه "مدرسة التلفزيون" القائمة في بلادنا، على حد قوله، على "الغوات والتعواج"، بل يمثل كما يتحدث بشكل طبيعي ودون تكلف. فصل المقال في ما بين المخرج والممثل من اتصال اشتهر اسم أحمد بولان في المشهد الفني باعتباره منتجا ومخرجا وممثلا، وفي سؤال عن انتقاله من الإخراج إلى التمثيل، أو العكس، وكيفية تدبير هاته المسألة، قال إنه عندما يكون ممثلا فهو ممثل، بل يمحو صفة المخرج ولا يتذكرها، وكأنه يطبق المبدأ الرشدي القائم على "فصل المقال في ما بين المخرج والممثل من اتصال". ويوضح بولان "أتصرف في بلاتو التصوير بشكل طبيعي.. كثيرون يقولون إنني صعب المراس، لكنني أتصرف هناك مثل قط أليف". ويتابع أنه خلال اشتغاله في الأعمال السينمائية العالمية لاحظ كيف أن النجوم العالميين، الأمريكيين على وجه الخصوص، يبدون بدورهم مثل القطط الأليفة في كواليس التصوير، هنا يعلق ساخرا أن الممثلين الفاشلين هم الذين يفتحون أفواههم في البلاتوهات، أما الجيدون فيحترمون أنفسهم وتاريخهم، ويكونون رهن إشارة الفيلم. لا يولي بولان اهتماما إذا كان سيشتغل تحت إمرة مخرجين شباب أقل خبرة منه، إذ يقول "إذا أعجبني السيناريو وارتحت للمخرج، أمتثل لتعليماته بشكل حرفي، ولا أتعالى عليه، ولا أمنحه خبرتي إلا في التمثيل، أما البقية فلا أتدخل فيها، لأن المسؤولية في نهاية الأمر تقع على عاتق المخرج، فهو الذي يتحمل فشل أو نجاح العمل. من الموسيقى إلى التمثيل يستعيد أحمد بولان بداياته الفنية، أواسط السبعينات، ويحكي كيف وجد نفسه منجذبا إلى عالم التمثيل والصورة، منذ طفولته بسلا حيث ولد ونشأ وترعرع. ويقول في هذا الصدد إنه التحق بفرقة الإذاعة بالرباط، باقتراح من الراحل محمد أحمد البصري، بعد أن كانت الفرقة تبحث عن شاب يافع من أجل تجسيد أحد الأدوار، لتكون لذلك أول خطوة له في هذا الطريق. ويكشف بولان أنه قبل انخراطه في التمثيل، كان شغوفا بالموسيقى، إذ التحق بالمعهد الموسيقي من أجل هذا الغرض ودرس فيه مبادئ الصولفيج والعزف سنوات، إضافة إلى التمثيل، وبعد أن خاض تجاربه الأولى تفرغ بشكل كلي للتشخيص، دون أن يفقد صلته بالموسيقى التي ظلت ملازمة له في كل مراحل حياته. انتقل بولان إلى إيطاليا من أجل دراسة الإخراج، لكن الحلم انتصبت أمامه صعوبات وعراقيل حالت دون إتمام المهمة على النحو الذي كان يريد، لكن في المقابل بقي هناك وتعلم أشياء أخرى منها اللغة والثقافة، قبل أن يعود إلى المغرب رفقة فريق عمل سينمائي إيطالي لإنجاز أعمال سينمائية، بداية الثمانينات، فاشتغل مساعد مخرج، وظلت تلك مهمته إلى حدود 2000، حيث أخرج أول أفلامه الروائية "علي ربيعة والآخرون". نضال سينمائي ضد اللاعدالة يحكي شريط "علي ربيعة والآخرون" قصة مجموعة من الرفاق خلال ما يعرف بسنوات الجمر والرصاص؛ إذ يتم القبض على "علي" الذي يجسد دوره يونس ميكري بسبب نشاطه السياسي، ويحكم عليه بعشرين سنة سجنا، وبعد خروجه من السجن يجد تغيرات كبيرة طرأت على حياته وحياة رفاقه القدامى، ويلتقي عشيقته السابقة "ربيعة" وابنتها، ليبدأ معهما حياة جديدة. في هذا الفيلم قارب أحمد بولان موضوعا كان مسكوتا عنه في السينما المغربية، إلى حدود تلك الفترة، وهو الاعتقالات السياسية، ويقول رغم أنه لم يكن مناضلا سياسيا لكنه ظل في جل أعماله السينمائية يبحث عن قيمة العدالة وتحقيقها، لأنه، حسب قوله، عاش طفولة صعبة وفقيرة، تجسدت فيها مظاهر اللاعدالة، إذ غادر المدرسة مبكرا وهو مطرود، فظلت هاته الغصة تطارده ويحاول التعبير عنها بشكل أو بآخر من خلال أعماله أو مساره الفني بشكل عام. ملائكة الشيطان... مشاكل الرقابة خاض أحمد بولان تجربة سينمائية أخرى كانت مهمة في مساره وهو شريط "ملائكة الشيطان"، وهو عبارة عن دراما اجتماعية مستوحاة من قصة واقعية ل 14 شابا موسيقيا أثيرت حولهم ضجة بسبب ميولاتهم الإبداعية (موسيقى الهارد الروك ولباسهم وسلوكاتهم) التي جعلت البعض ينعتهم بعبدة الشيطان تحت عدة تهم وأهمها زعزعة عقيدة المسلمين. أثار الفيلم حينها جدلا كبيرا بسبب موضوعه، كما أن بولان أصر على تبني قضية هؤلاء الشباب من الناحية الإنسانية وأيضا الإبداعية، بالنظر إلى اختياراتهم الموسيقية، وهو ما فتح عليه جبهات كثيرة من قبل التيارات المحافظة، وجعلته في دائرة المغضوب عليهم. وفي هذا السياق يقول بولان إنه إلى جانب تلك التجربتين، خاض تجارب قبلها وبعدها، مثل فيلم "الدار البيضا يا الدار البيضا" و"أنا وأمي وبثينة" ثم "عودة الابن الضال" الذي قال عنه إنه فيلم شخصي يحكي شيئا من حياته وسيرته الذاتية، إلا أن تجربتي "علي ربيعة والآخرون" و"ملائكة الشيطان" أرختا بظلالهما على علاقته المتوترة بأجهزة الرقابة واللجان المكلفة بها داخل المركز السينمائي المغربي، خاصة خلال فترة سيطرة الإسلاميين على عهد حكومة العدالة والتنمية. ويوضح بولان أن الرقابة صارت مشددة أكثر في فترة "بيجيدي" وأنه خلال تلك المرحلة تقدم بمشروعين سينمائيين رفضا له، لأسباب واهية، على حد قوله، في الوقت الذي كان يدرك أن له مشاكل مزمنة مع التيار المحافظ، دفع ثمنها بإبعاده عشر سنوات كاملة، لم يقبل له فيها عمل إلى حين انصرام ولايتهم التشريعية ومغادرتهم الحكومة رفقة منفذي سياستهم داخل الأجهزة الرقابية للسينما والمركز. خلال تلك المرحلة خاض بولان تجربة الكتابة وكانت ثمرتها إصدار سيرته الذاتية تحت عنوان "حياتي الجميلة" تحدث فيها عن تجربته الشخصية والمهنية التي تتداخل بين عالم السينما والكتابة، حيث يبدأ رحلته كفنان من خلال عمله مساعد مخرج في السينما الدولية ليصبح لاحقا مخرجا معترفا به، ولكنه يجد في السينما قيودا مالية وفكرية تمنعه من التعبير الكامل عن ذاته. وتتناول السيرة الذاتية موضوع الهوية والانتماء بأسلوب يعكس مشاعر الفخر بالمدينة والجذور، حيث يعبر أحمد بولان عن تأثير مسقط رأسه على شخصيته وفكره، إذ يُبرز الكاتب الدور الذي لعبته سلا في التاريخ، وهذه الخلفية التاريخية تدعم فهم الكاتب لأصوله وتزيد من ارتباطه بمدينته. ويتحدث الكاتب عن ذكريات طفولته مسترجعا اللحظات السعيدة التي عاشها في بيئة عائلية وثقافية مميزة، كما يستعرض حياته الأسرية وتفاصيل من يومياته مثل احتفالات العائلة والزيارات إلى المقامات، ما يعكس العلاقة القوية التي تربطه بجذوره. كما تطرق إلى الصراعات الداخلية التي عاش بسبب مقاومته للسلطة الأبوية ورغبته في كسر القيود الاجتماعية وصولًا إلى تأثير التفاعل الثقافي على تكوين هويته. ويقول إن الكتابة منحته حرية للتعبير عن ذاته، بعد أن وجد نفسه محاصرا سينمائيا، ومقيدا مخرجا، لكنه حر كاتبا ومؤلفا يفعل بالقلم ما يشاء.