جنرالات الجزائر و"بوليساريو" يستعملون "الهلال الأحمر" لنهب أموال المحتجزين بقلم: الفاضل الرقيبي بلغة الأرقام المتداولة وحدها، ومن دون الحاجة إلى النبش في متاهات شبكات السطو على المساعدات الدولية الموجهة لسكان مخيمات تندوف، يمكن تفكيك واحدة من أكثر عمليات التلاعب بالمعاناة الإنسانية وقاحة، داخل هذه المخيمات، التي يديرها ما يسمى "الهلال الأحمر الصحراوي"، الذراع المالي لـ "بوليساريو"، والواجهة الأكثر استعمالا لتحويل المساعدات الدولية خارج مسارها الطبيعي. القصة تبدأ من أصغر رقم، لكنه الأكثر فصاحة، وهو 3000 دينار جزائري، أي ما يعادل 20 دولارا أمريكيا تقريبا، وهو النصيب الذي خصص للمرأة الحامل، أو المرضعة، داخل المخيمات في شكل قسائم أو "كوبونات". رقم هزيل لا يكفي لتغطية الحد الأدنى من الاحتياجات الغذائية لمدة شهر، ولا يرقى حتى إلى مستوى الدعم الرمزي، إذا ما قيس بخطورة الوضع الصحي الذي جرى الترويج له رسميا، من قبل "بوليساريو" نفسها، هذه المرة. فقبل توزيع هذه القسائم، خرج رئيس ما يسمى "الهلال الأحمر الصحراوي"، يحيى بوحبيني، ليطلق نداء استغاثة من إقامته المريحة في الجزائر العاصمة، متحدثا بلهجة درامية عن وضع كارثي تعيشه النساء في المخيمات، ومعلنا أن 69 في المائة من الحوامل والمرضعات يعانين فقر دم حادا. رقم صادم يفترض، إن كان صحيحا تعبئة عاجلة، وبرامج تغذية مكثفة، ومتابعة طبية صارمة، وهو ما استجاب له بالفعل المجتمع الدولي، إذ تؤكد مراجعة صفحات منظمة غوث اللاجئين تخصيص 900 ألف دولار أمريكي لبرنامج استعجالي موجه تحديدا للنساء الحوامل والمرضعات في مخيمات تندوف. رقم واضح وهدفه واضح، غير أن "بوليساريو"، عبر صفحة "هلالها الأحمر"، أعلنت أن عدد المستفيدات من هذا البرنامج هو 4900 امرأة. ومرة أخرى نحتكم إلى الآلة الحاسبة، وحين نقسم 900 ألف على 4900 مستفيد، سنجد أن نحو 184 دولارا هو المبلغ المفترض أن يصل لكل امرأة، إذا كانت العملية نظيفة وشفافة. لكن الواقع يقول غير ذلك، فما وزع فعليا لا يتجاوز 20 دولارا للمرأة الواحدة، والفرق الحسابي هنا فادح وفاضح. فهناك حوالي 164 دولارا مفقودة عن كل مستفيدة، وعندما نضرب هذا الرقم في 4900 نصل إلى ما يقارب 803 آلاف و600 دولار أمريكي، تختفي من برنامج وصف بأنه "استعجالي" ومخصص لفئة تعاني فقر دم حادا. زيادة على ذلك، لا يمكن هذه المرة لإدارة "بوليساريو" أن تختبئ وراء التكاليف اللوجستية والإدارية التي دأبت على إثارتها لمحاولة تبرير اختفاء أكثر من نصف المساعدات الدولية، خصوصا أن الأمر يتعلق بمبالغ مالية تصرف نقدا لصالح المستفيدين. الأخطر أن هذه القسائم نفسها، التي قدمت دليل دعم تحولت إلى وثيقة إدانة، إذ كشفت عن طريقة تستعمل لاستدرار التمويل الدولي، قبل أن يعاد توجيه الجزء الأكبر منه إلى مسارات لا علاقة لها، لا بصحة الأمهات، ولا بحياة الأطفال، ولا بمجاعة المسنين. وهنا يتضح الدور الحقيقي لما يسمى "الهلال الأحمر الصحراوي"، فلم يعد الأمر يتعلق بمنظمة إغاثة، بل بجهاز مواز تستعمله عصابة الرابوني لإدارة المساعدات خارج أي رقابة، وتحت حماية جنرالات الجزائر، الذين يستفيدون من هذه الواجهة في مجال تبييض الأموال وتهريب العملة تحت غطاء إنساني. ورغم فداحة السرقات ووضوحها بالعين المجردة، لا يتوقف الإفلاس الأخلاقي لقيادة "بوليساريو" وعرابيها عند استغلال مآسي النساء والأطفال، بل ترفع رايات الاستغاثة أمام المنظمات الدولية والدول المانحة، مستدلة بأرقام إنذارية وهمية تشمل جميع الميادين، كما يدل على ذلك النداء العاجل الذي أطلقه بوحبيني في 26 نونبر الماضي، الذي زعم فيه أن سكان المخيمات في حاجة إلى برنامج استعجالي بغلاف 100 مليون دولار، لتفادي أزمة إنسانية خانقة..