شبكات للبيع الهرمي تفتح مقراتها لعرض أوهام الاستثمار وسرقة الملايين من الضحايا تشهد الدشيرة الجهادية، إحدى المناطق ذات الكثافة السكانية في جهة سوس ماسة، انتشارا متزايدا لشركات وأفراد يدعون العمل في التجارة الإلكترونية والتسويق الشبكي والهرمي، مستغلين آمال الشباب والنساء في تحسين أوضاعهم الاقتصادية والمالية، إذ تتوسع هذه الظاهرة بوتيرة غير مسبوقة، خاصة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، حيث يعد المشرفون على هذه الشركات بالربح السريع والأرباح الكبيرة، مقابل الاشتراك في باقات انخراط في «مشاريع» غير واقعية، مما يجعل العديد من الضحايا يفقدون مدخراتهم المالية بتأثير وعود براقة لا علاقة لها بأي نشاط مشروع فعلي. قررت لجنة أمنية مختلطة إغلاق مكتب تابع لإحدى شركات التسويق الشبكي في الدشيرة الجهادية، خلال هذا الأسبوع، إثر العديد من الشكايات التي تقدم بها ضحايا تفيد تعرضهم للاحتيال والنصب، وقد بينت التحقيقات الأولية أن مسؤولي هذه الشركة كانوا يستخدمون وسائل التواصل الاجتماعي بمنصاتها المختلفة لجذب الضحايا، مستغلين صور النجاح والوعود الخادعة لتحقيق موثوقية مزعومة لدى الضحايا المحتملين، قبل أن تتم عملية الاستيلاء على أموالهم دون تنفيذ أي مشروع تجاري حقيقي. وهم الربح السريع يجسد هذا الحادث مؤشراجديدا على تزايد نشاط شركات التسويق الهرمي والشبكي بالمدينة، الأمر الذي دفع السلطات المحلية إلى التدخل العاجل واتخاذ إجراءات فورية، تمثلت في إغلاق مكتب العمل الميداني التابع للشركة المعنية، ويأتي هذا القرار في سياق سلسلة من الجهود الأمنية والقضائية الرامية إلى محاصرة هذا النوع من الاحتيال، الذي بات يستهدف فئات واسعة من المواطنين، غير أن هذه الواقعة لا تعد سابقة معزولة، إذ سبق لمنطقة الدشيرة أن كانت مسرحا لقضايا مماثلة أثارت جدلا واسعا، وارتبطت بالتسويق الهرمي وعمليات النصب والاحتيال المنظم. ويعود إلى الأذهان، في هذا السياق، ما جرى قبل عدة أشهر حين أوقفت المصالح الأمنية امرأة بالدشيرة، بعدما عمدت إلى إغراء ضحاياها بوعود بعوائد مالية خيالية مقابل استثمارات مزعومة في مشاريع للتسويق الهرمي والتجارة الإلكترونية المرتبطة بمنتجات التجميل، وتمكنت المعنية بالأمر من الاستيلاء على مبالغ مالية فاقت مئات الآلاف من الدراهم، قبل أن يتبين أن تلك الوعود لم تكن سوى وسيلة احتيالية، وأن الضحايا لم يتوصلوا بأي مقابل حقيقي، ما عمق حالة الاستياء والقلق من تنامي هذا النوع من الأنشطة المشبوهة بالمنطقة. احتيال هرمي ما تزال قضية بدر وزوجته، المعتقلين بسجن آيت ملول، تثير جدلا واسعا، بعد أن أوقفتهما عناصر الأمن بمطار المسيرة فور عودتهما من تركيا، على خلفية الاشتباه في تورطهما في سلسلة من عمليات الاحتيال المرتبطة بالتسويق الهرمي، ولم تنس هذه القضية من قبل الضحايا، الذين ما زالوا يعانون ويلاتها حتى اليوم، إذ اضطر كثيرون منهم إلى تحمل القروض والديون التي على ذمتهم نتيجة طمعهم في أرباح وهمية، خصوصا بالدشيرة، التي تعد بؤرة هذا النشاط، بالنظر إلى أن مقر الشركة المعنية كان يتخذ من المنطقة مقرا له ويستقبل عشرات الضحايا القادمين من مختلف المناطق. ونجح أصحاب الشركة في استدراج آلاف الضحايا وإقناعهم بالانخراط في نظام تسويق هرمي، مكنهم من الاستيلاء على مبالغ مالية مهمة فاقت 16 مليار سنتيم، جمعت على شكل مساهمات واشتراكات قدمت للضحايا، باعتبارها مدخلا لتحقيق أرباح سريعة ومضمونة، قبل أن يتضح لاحقا أن الأمر يتعلق بمخطط احتيالي محكم. وتعتمد مثل هذه الشبكات، في الغالب، على منصات إلكترونية وخطاب تسويقي مغر يقوم على وعود الارتقاء المالي السريع وتحقيق الثراء في زمن قياسي، مستغلة ضعف الوعي لدى بعض الفئات بطبيعة هذه المشاريع، التي تتحول أداة إلى عملية احتيال منظمة بحثا عن عمولات، حيث يبقى مبلغ الاشتراك الذي يدفعه الضحية المصدر الوحيد للأرباح داخل هذا النظام. استغلال وسائل التواصل ما يجري في الدشيرة يعكس واقعا أوسع في جهة سوس ماسة، حيث باتت ظاهرة النصب عبر التسويق الهرمي متفشية في مدن مثل تزنيت وتارودانت والصويرة، وصولا إلى الأقاليم الجنوبية. وأصبحت منصات التواصل الاجتماعي بيئة خصبة لهذه العمليات الاحتيالية، إذ يلجأ المحتالون إلى استخدام إعلانات مزيفة، ومواد ترويجية جذابة، وشهادات نجاح مفبركة لإقناع الضحايا بالانضمام للاستثمارات الوهمية. ويكتسب «فيسبوك» و»إنستغرام» و»واتساب» دورا محوريا في نشر هذا النوع من المحتوى الاحتيالي، حيث يستغله المروجون للإعلان عن فرص لا تتكرر لجذب أكبر عدد ممكن من الضحايا، مستغلين في ذلك ضعف الرقابة التنظيمية أحيانا، ونقص الوعي القانوني لدى المستخدمين، ومن أبرز الإستراتيجيات التي تعتمدها هذه الشبكات إنشاء مجتمع افتراضي يضفي على المشروع شرعية زائفة، قبل أن ينهار النظام الهرمي وتختفي الأموال، تاركا الضحايا أمام خسائر مالية جسيمة وأثر نفسي عميق. إن انتشار شركات التسويق الهرمي والشبكي التي تستغل وسائل التواصل الاجتماعي لبيع الوهم وجذب الضحايا في الدشيرة وغيرها من المدن المغربية، ليس قضية محلية عابرة، بل يمثل ظاهرة اجتماعية واقتصادية تتطلب تنسيقا مستمرا بين الجهات الأمنية، والنيابة العامة، والمجتمع المدني، والمؤسسات التربوية، من أجل رفع مستوى الوعي بخطورة الانخراط في هذه المشاريع المشبوهة دون التأكد من مشروعيتها. عبد الجليل شاهي (أكادير)