العصابة تحاول تدوير خطاب بائد لتلتف على انتظارات صحراويي المخيمات بقلم: الفاضل الرقيبي مرة أخرى يخرج علينا بيان الأمانة الوطنية لـ "بوليساريو"، وكأنه قادم من كوكب آخر، لا علاقة له بالزمان، ولا بالمكان، ولا بقرار مجلس الأمن 2797، الذي أثنى عليه العالم بأسره، وبارك محتواه، ما عدا مجموعة الرابوني ومن ورائها حاشية المرادية، التي ما زالت تؤمن بأن تجاهل الواقع أقصر الطرق لتحقيق الانتصارات الافتراضية. المثير، هذه المرة، ليس لغة الخشب المعتادة، بل ذلك الإصرار الغريب على محاولة تحريف محتوى القرار الأممي الأخير، لتصويره وكأنه فتح مبين لهم، بينما يعرف الجميع، بمن فيهم الجزائريون أنفسهم، أن القرار وضع قيادة "بوليساريو" أمام مرآة العالم، وأظهر حجم العزلة السياسية التي وصلت إليها الجزائر. فبينما يقول المجتمع الدولي برمته، وبصوت واحد، إن الحل لن يكون إلا عبر عملية سياسية واقعية، وهي حكم ذاتي مغربي، لم تجد قيادة الرابوني إلا أن تطالب الأمم المتحدة بأن تعود إلى الوراء، وتتعامل مع المنطقة كما لو أنها لم تشهد تغييرا جيوإستراتيجيا عميقا، ليس فيه للانفصال موطئ قدم، بالنظر إلى المشاكل الكبرى التي تعرفها المنطقة، بسبب تفشي الكيانات المسلحة وتدخلات القوى الأجنبية. لكن المأساة تتحول إلى كوميديا سوداء عندما يتحدث البيان عن المؤامرات ومحاولات الانحراف في مجلس الأمن، وكأن القوى الكبرى تجتمع ليلا ونهارا فقط للبحث عن كيفية إغضاب إبراهيم غالي، وكأن الأمم المتحدة نسيت الحروب والملفات الساخنة في العالم، وقررت أن تتفرغ لعصابة تعيث فسادا في مخيمات تندوف! كل ذلك للتغطية على حالة الفزع والذهول، التي تعيشها القيادة التي ضاق عليها الخناق وأصبحت مطالبة بالإجابة عن أسئلة جوهرية، تتعلق بمصير الآلاف من سكان المخيمات، الذين تم استقدامهم من دول الجوار لتضخيم عدد ما تسميه "اللاجئين"، خصوصا أن مسؤولين مغاربة سبق أن صرحوا بأن العودة ستقتصر حصريا على سكان الصحراء. ومع غياب الأجوبة عند عصابة الرابوني، وارتباك جنرالات الجزائر أمام ضيق الخيارات وارتفاع الضغط الدولي من جهة، وكذلك إكراهات التفكيك الحتمي للمخيمات من جهة أخرى، لم تتبق للعصابة سوى محاولة تدوير خطاب بائد في محاولة للالتفاف على انتظارات صحراويي المخيمات. فـ "بوليساريو" تقول إنها مستعدة للحوار، لكن بشرط واحد، أن يبدأ الحوار من النقطة التي تختارها وحدها، وأن ينتهي بالنتيجة التي تريدها وحدها، أي باختصار، تفاوض من أجل التفاوض، لكي تضمن استمراريتها من خلال بياناتها ونشرات الأخبار وتقارير الأمم المتحدة. هذا الانفصال عن الواقع لم يعد مجرد سياسة، بل أصبح أسلوب حياة في الرابوني، قيادة تتصرف كأنها باقية إلى الأبد، وتعتقد أن كتابة بيان من 3000 كلمة كفيلة بتغيير قناعة العالم. وفي النهاية، البيان الختامي لأمانة "بوليساريو" ليس سوى فصل جديد من رواية مكررة، قيادة تهرب إلى الأمام لأنها لا تملك الشجاعة للالتفات إلى الوراء، حيث تتكدس الخيبات، ولا تنظر إلى الواقع، حيث تتزايد الانشقاقات. بيان يرفض الاعتراف بأن المعركة قد حسمت والحقيقة أن الرابوني، اليوم، ليست مجرد جغرافيا سياسية، بل عنوان للعزلة الفكرية الكاملة وانتصارات تبين مع الوقت أنها انتكاسات لقيادة تقرأ الخريطة السياسية بالإحداثيات القديمة نفسها، وتعتبر الجزائر سندا أبديا، بينما الواقع تغير، والمصالح تغيرت، والعالم تغير، ولم يتغير شيء واحد، وهو لغة بيانات "بوليساريو".